بقلم: عبد الرحمن هاشم
إذا كان "القلب هو محل نظر الرب"، فإن الإنسان المعاصر يعيش اليوم أزمة هوية مرعبة. لقد نقلت وسائل التواصل الاجتماعي زحام الحياة من الشوارع والأسواق إلى عمق وجداننا، وحولتنا المنصات الرقمية —عبر الإعجابات (Likes) والمشاركات (Shares)— إلى كائنات تلهث وراء "مظهر" افتراضي؛ مظهر مشحون بالكمال الزائف والتصنع، مما جعل القلوب مكشوفة تماماً أمام أعتى المعاصي الخفية: الرياء العريض، والعُجب المتأصل، والكبر الخفي.
في عصرنا الرقمي، لم يعد الرياء مجرد ركعتين يطيل السائر فيهما ركوعه ليراه من في المسجد؛ بل أصبح "رياءً عابراً للقارات"، يُوثق بالصوت والصورة، ويُقدّم تحت لافتات الخير والنصح، بينما يستجدي الباطن نظرة الإعجاب من المخلوقين. أما "العُجب" فقد صار مرضاً تفرزه الشاشات مع كل إشعار جديد يُوهم المرء بأنه بات مصلحاً، أو عالماً، أو متميزاً، فيغتر بنفسه ويحجب روحه عن لذة الانكسار بين يدي خالقه.
فمن أين يبدأ العلاج في هذا الواقع الرقمي المعقد؟ وكيف يحمي الإنسان المعاصر قلبه؟
إن الشفاء —كما قرر الحبيب الجفري— "لا يكتمل بالمعرفة وحدها، بل يحتاج إلى علم وعمل وانكسار شاق على النفس". وفي سياق واقعنا الرقمي، يتجسد هذا العمل في خطوات عملية صارمة:
فقه "الخبيئة الصالحة"
أول ترياق لسمّ الرياء الرقمي هو إحياء عبادات السر. إذا كانت المنصات تدعوك لنشر كل تفاصيل حياتك وطاعاتك، فاجعل لنفسك "مملكة سرية" مع الله لا يعلم عنها أقرب الناس إليك؛ ركعات في جوف الليل، صدقة خفية، أو دمعة من خشية الله. هذه الخبايا هي التي تثبّت أقدام القلب وتمنع تزلزل الإخلاص تحت وطأة بريق الشاشات.
تدريب النفس على الصمت
يعاني الإنسان المعاصر من شهوة خفية تسمى "شهوة الظهور والتعليق والمشاركة"؛ يرى في كل حدث فرصة ليقول: "أنا هنا، انظروا إليَّ وإلى فهمي!". وعلاج هذا العُجب هو "المجاهدة بالصمت"؛ أن تمنع نفسك عمداً من كتابة تعليق أو نشر تدوينة تبتغي بها ثناء الناس، وأن ترضى بأن تكون عبداً خفياً نقياً في ملكوت الله، يعلمك الله وكفى.
تقنين "الاستهلاك البصري"
القلب يتأثر بما يدخل إليه عبر عيوننا وآذاننا. عندما تقضي ساعات طويلة في تأمل حياة الآخرين الفارهة أو تدينهم الظاهري، يتسلل إلى قلبك "الحسد الخفي"، أو تولد في نفسك "عقدة النقص"، أو تدفعك الغيرة إلى مجاراتهم في النفاق الرقمي. تقنين الوقت الموجه لهذه الشاشات، وإلغاء متابعة الحسابات التي تكرّس لثقافة الاستعراض والمظاهر، هو حبل الأمان لحفظ سلامة باطنك.
ما قبل "النشر"
قبل أن تضغط على زر "نشر" (Post)، توقف لثوانٍ واعرض نيتك على مشرحة الصدق: لماذا أنشر هذا؟ هل أبتغي به وجه الله ونفع خلقه حقاً، أم أريد أن يُقال عني صالح، أو مثقف، أو سعيد؟ إن وجدتها شائبة بالرياء، فامسح ما كتبت فوراً، واعلم أن هزيمة النفس في هذه اللحظة هي الانتصار الحقيقي والنور الذي يغسل سواد القلب.
إن معركتنا اليوم ليست مع الشاشات، بل مع ما تثيره الشاشات في دواخلنا. ولن ينجو في هذا العصر الرقمي الشرس إلا من أدرك أن ثناء أهل الأرض بأكملهم لا يزن عند الله جناح بعوضة إذا كان الباطن خراباً، وأن الفوز الحقيقي هو أن تقف بين يدي مولاك بقلبٍ سليم، قد تنوّر لأنه تجرد من الأغيار، وتطهّر لأنه فضّل نَظرَ الله على نَظرِ العباد.
تعليقات
إرسال تعليق