بقلم: عبد الرحمن هاشم
شتان بين طلب الحب والطلب بجهل وعناد، وبين الصعق الإجلالي والصعق العقابي. وشتان بين من طلب رؤية الله عز وجل لـ "يستزيد إيماناً ومحبة"، وبين من طلبها لـ "يقيم الحجة ويعاند".. الأول عُذِرَ شوقُه فصُعِقَ إجلالاً، والآخرون أُخذوا بظلمهم فصُعقوا نكالاً.
إن القرآن الكريم يضعنا أمام مشهدين متشابهين في الظاهر (طلب الرؤية ثم الصعق)، لكنهما متضادان تماماً في الباطن والعلة والإشارة.
بَاعِثُ الطَّلَب
السر كله يكمن في القلب الذي نطق بالطلب؛ فالعبارة الواحدة تختلف قيمتها بحسب قائلها ومقامه عند مولاه:
طلب موسى عليه السلام {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك}:
هو طلب نابع من "شوق المحب" وفرط الوجد؛ موسى خرق معه الله العادات، فسمع كلام ربه دون واسطة ({وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا})، فلما تذوق حلاوة السماع، طمعت روحه في درجة أعلى وهي الرؤية. هو طلب لم يأتِ عن شكّ، ولا عن عناد، ولا عُلِّق عليه إيمان؛ إنما هو فيض عشق من عبدٍ غلبه الشوق لمعاينة جمال وجه محبوبه ومكلّمه.
طلب السبعين رجلاً {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}:
هو طلب نابع من "العناد والتعنت والمادية الصرفة"؛ هم علّقوا إيمانهم وتصديقهم لموسى على الرؤية البصرية. لم يتحركوا بقلوبهم بل بحواسهم الطينية، وجاء طلبهم بصيغة التحدي والاستعلاء الاستنكاري، وكأنهم يطالبون بـ "دليل مادي ملموس".
لَطَائِفُ التَّعْبِيرِ القُرْآنِي
المتأمل لدقة الألفاظ في الموقفين يدرك الفارق التشريفي:
موسى عليه السلام قال: {أَرِنِي أَنْظُرْ}: أي أنه طلب فعل الإراءة من الله أولاً (أرني)، فهو يطلب تأهيلاً لعينيه قبل أن ينظر، لِعلمه أن بصره البشري عاجز بذاته.
السبعون قالوا: {حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً}: فنسبوا الفعل لأنفسهم (نرى)، وطلبوا أن ينكشف الحجاب في عالم المادة والحواس (جهرة) بلا حياء ولا أدب مع الجلال الإلهي.
حَقِيقَةُ الصَّعْق
الصعق في الموقفين لم يكن لعلة واحدة:
أولاً: صعق موسى عليه السلام (صعق الفناء في الجلال):
عندما تجلى الله للجبل فجعله دكاً، خرّ موسى صعقاً. هذا الصعق إشاريّاً هو "صعق غيبة وفناء"؛ غابت فيه حواس موسى البشرية لعدم قدرة البنية الآدمية على تحمل تجلي أنوار الذات الإلهية. إذن، هو صعق رحمة وتشريف وتأديب بالجمال، يشبه إغماءة الحبيب من فرط الهيبة. ولذلك، بمجرد أن أفاق موسى، كانت العاقبة: الإنابة والتسبيح والتأكيد على مقامه العالي: {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}، ثم كلّمه الله مباشرة بعدها واصطفاه بالرسالات وبكلامه.
ثانياً: صعق السبعين رجلاً (صاعقة الإهلاك والعقوبة):
أما السبعون، فالقرآن قال في حقهم: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} وفي آية أخرى {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}. هذا الصعق هو موت حقيقي وإهلاك وعقوبة (بسبب ظلمهم وتجرئهم)، لم يكن غيبة حب، بل كان عقاباً على سوء الأدب والعناد المادي. ولولا أن موسى عليه السلام شفع فيهم وتضرع لربه قائلاً: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا}، لَمَا بُعثوا من موتهم؛ حيث استجاب الله لموسى وأحياهم بعد موتهم بنص القرآن: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
توثيق ومراجع المقال:
تفسير "لطائف الإشارات"، للإمام أبي القاسم القشيري، سورة الأعراف (آية 143) وسورة البقرة (آية 55).
تفسير "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد"، للإمام ابن عجيبة، سورة الأعراف عند قوله تعالى {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ}.
تفسير "الكشاف"، للإمام الزمخشري، سورة البقرة وسورة النساء عند قوله تعالى {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}.
كتاب "إحياء علوم الدين"، للإمام الغزالي، كتاب "المحبة والشوق والأنس والرضا".
تعليقات
إرسال تعليق