التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...
آخر المشاركات

أهل الكهف.. جرأة سينمائية

بقلم د. نجلاء الورداني يمكن مقاربة فيلم (أهل الكهف) بوصفه نصًا سوسيولوجيًا بصريًا يعالج إشكالية الانفصال الزمني باعتباره انكسارًا بنيويًا في منظومات القيم والانتماء والسلطة، حيث يتحول الزمن من إطار محايد للأحداث إلى قوة اجتماعية فاعلة تُعيد تشكيل موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية. * الزمن كفاعل اجتماعي يُجسّد الفيلم مفهوم الزمن بوصفه فاعلًا اجتماعيًا قاهرًا يعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأنماط الوعي. فاستيقاظ أهل الكهف في مجتمع مغاير يكشف عن حالة من الصدمة الحضارية، حيث تفقد الشخصيات القدرة على تفسير الرموز والمعايير السائدة. هذه الصدمة لا تنبع من اختلاف مادي فقط، بل من انهيار المعاني التي كانت تمنح الفعل الاجتماعي مشروعيته، وهو ما يجعل الزمن أداة إقصاء اجتماعي لا مجرد تحوّل تاريخي. *الاغتراب الاجتماعي يعكس الفيلم حالة الاغتراب كما صاغها كارل ماركس، ولكن بصيغة وجودية–اجتماعية؛ إذ تعاني الشخصيات من اغتراب عن المجتمع الجديد، وعن القيم السائدة، بل وعن ذواتها التي لم تعد صالحة للاشتغال داخل الواقع الراهن. فهم لا يُنظر إليهم كذوات فاعلة، بل كـ «بقايا زمنية» أو آثار تاريخية، ما يعيد إنتاج م...

عالمٌ مُوحِش.. يُوقِد نيران الفتنةِ بِغَيرِ اكتراث!

بقلم: مريم سامح سلامُ قلبي ورَهيف إحساسي يتعارض مع العالم المُحاط به، عالم امتلأ بالوَحشةِ، والظلام، والجَشع، ولَهب الفِتنة!  أرسم الكثير من اللوحات المُمتلئة بالتفاؤل، والجمال، والبَهجة.. يستعجب مني ومِن مشاعِري مَن حولي، فَكيف أتماشىٰ مع عالمٍ مَجذُوذ؟  أختلف عنهم بِكلِّ الاختلافات، هذا قدري، أن أُولَد في وسط مُعارِض لي!  أبتغي التأقلم بلا جدوىٰ، عالمٌ مُوحِش.. يُوقِد نيران الفتنةِ بِغَيرِ اكتراث!  أَستنكِرُ منهم تارةً، ويستنكروا مني تارةً أُخرىٰ،  لا يُدرِكون أن المُهجة السالمة، الآمنة، أفضل بكثير من تلك الاضطرابات التي نَقبِع فيها، أُحاوِل أن أُثبِت أنني على حقٍ، وأن أُظهِر فنِّي وإبداعي في هذا العالم؛ لكنِّي يئست، يئستُ من النُصح مَراتٍ بلا فائدة..  هُم لا يُدركون الفَنّ! لا يَسمعون البراهين، لا يُحاولون فهم كَيف تكون المُهجة حسناءً ما دام هُناك سلام وسَكينة، تَهوىٰ قلوبهم النِزاع، وحُب النَفس!  جعلوني لا أَطيقُ نُصحهم ولا الإحسان إليهم..  ولكنِّي سأبقىٰ على ظَنِّي الصائب، سأبقىٰ مُسالمًا، مُبدعًا، رَهيف الإحساس، حتىٰ لو كان العالم كُله يتعار...

من التطفل إلى الحماية: كيف غيّرت الكاميرات علاقتنا بالأمن والعدالة؟

بقلم د. نجلاء الورداني لسنوات طويلة، كانت الكاميرات في الشوارع والمحال وأماكن العمل تُقابل بشيء من الريبة. اعتبرها كثيرون أداة للتطفل على الخصوصية، وامتدادًا لعين رقابية لا تنام، تهدد الحياة الشخصية وتُشعر الأفراد بأنهم مراقَبون على الدوام. لكن مع تصاعد معدلات الجريمة وتطوّر أساليب المجرمين، بدأت هذه النظرة تتغير تدريجيًا، لتتحول الكاميرات من رمز للانتهاك إلى أداة لا غنى عنها لحماية المجتمع وتحقيق العدالة. التحول في الموقف العام لم يأتِ من فراغ. فقد كشفت الوقائع اليومية أن الكاميرات لم تعد مجرد أجهزة تسجيل صامتة، بل أصبحت شاهدًا حاسمًا في كثير من القضايا الجنائية. تسجيلات الفيديو أسهمت في كشف ملابسات جرائم غامضة، وتحديد هوية الجناة، بل وفي تبرئة أبرياء وُجهت إليهم اتهامات خاطئة. في هذه اللحظة، لم تعد الكاميرا "عينًا متطفلة"، وإنما "عينًا محايدة" تنقل ما حدث كما هو، دون تحريف أو تأويل. كما لعبت الكاميرات دورًا وقائيًا لا يقل أهمية عن دورها الكشفي. فمجرد وجودها في مكان ما أصبح عامل ردع نفسي لكثير من المجرمين، وساهم في خفض معدلات بعض الجرائم، خاصة السرقات والاعتداءات. ...

ميزان مختل

  بقلم د. نجلاء الورداني لم يكن القبر هو ما أخافه… بل الصمت الذي سبقه. وقف الأب عند حافة الحفرة، والسلاسل ما زالت تلتفّ حول معصميه كأنها لم تعد عقوبة، بل اعترافًا متأخرًا. كان التراب رطبًا، والسماء منخفضة، وكأنها تُنصت لما لم يُقال طوال عامٍ كامل. عامٌ كانت فيه الطفلة تنظر إلى المائدة الخالية، لا تسأل، ولا تبكي. كانت تظنّ أن الصبر فضيلة، وأن الجوع امتحان، وأن الأب لا يخطئ. قالوا له: لماذا؟ فلم يجب. لم يكن وحشًا، ولا فقيرًا معدمًا. كان قاسي القلب حين أقنع نفسه أن الحرمان تربية، وأن القسوة عدل، وأن السيطرة حقّ. عامٌ كامل وهو يزن الأمور بميزانٍ مكسور: يُكثر العقاب… ويُقلل الرحمة. في الصورة، كانت هناك كفّة ميزانٍ ذهبية، لامعة، لكنها معلّقة في الهواء، بلا توازن. العدل لم يسقط فجأة، بل تآكل ببطء. الطفلة لم تمت جوعًا فقط، ماتت لأن أحدًا لم يرَ فيها إنسانة كاملة، بل عبئًا، أو درسًا، أو خطأً يجب تقويمه بالقسوة. وحين انتهى العام، لم يبقَ ما يُقوَّم. جلس الأب بعد الدفن، والدموع أخيرًا وجدت طريقها، لكنها جاءت متأخرة، ثقيلة، بلا خلاص. كان يبكي نفسه أكثر مما يبكيها، يبكي الأبوة التي سقطت، واليد ...

قلب ينبض بالحب

بقلم د. نجلاء الورداني كانت الأم تجلس كل صباح عند النافذة نفسها، لا تنتظر أحدًا، لكنها اعتادت أن تفتح القلب كما يُفتح الشباك للضوء.  خمسة كراسٍ صغيرة بقيت في الذاكرة، رغم أن الغرفة لم يعد فيها سوى الصمت.  لم تُزَح الألعاب، ولم تُطوَ الملابس، كأن الزمن خجل أن يلمس ما مسّه الحب. مات أطفالها الخمسة، ولم تمت هي.  هكذا قالت الجارات، لكن الحقيقة أنها ماتت مرات، ثم تعلمت كيف تعود.  لم تكن تبكي كثيرًا؛ الدموع نفدت مبكرًا، وحلّ محلها حزن هادئ، حزن يشبه صلاة طويلة بلا كلمات. كانت تُعدّ الخبز كما لو أنهم سيعودون جائعين، وتغلق الباب بهدوء حتى لا تُوقظ أحدًا.  تنادي أسماءهم في قلبها، لا بصوتها، لأن القلب وحده يعرف أنهم ما زالوا يسمعون.  تعلمت أن الفقد لا يعني الغياب، بل يعني أن الحب صار أثقل من أن يُحتمل. وحين يسألها الناس: كيف صبرتِ؟ تبتسم ابتسامة مكسورة وتقول: — لم أصبر… أنا فقط سلّمت. في المساء، كانت ترفع يديها إلى السماء، لا تطلب شيئًا، فقط تشكر الله أنه اختارهم خفافًا، وأنه ترك لها ما يكفي من الوجع لتبقى إنسانة. عرفت أن الأمومة لا تنتهي بالموت، وأن القلوب التي تنبض...

آثار

  قصة قصيرة بقلم: عبد الرحمن هاشم جاءتني تشكو بعض ما لاقته من تعذيبٍ على يد مُطلِّقها. كانت كلماتها تقدح فيه بغِلٍّ وحقدٍ جعَلاني أميل، بلا مقاومة، إلى الإصغاء لمأساتها معه. قالت: — تركني على وشك الولادة في دمياط، ومضى يبحث عن الآثار في وادي النطرون. عاد قبيل الفجر، وحين صرختُ في وجهه بسؤالٍ واحد: لماذا تركتني وحدي؟ كنتُ يومها نفساء من جنينٍ ولدته ميتًا! رفَع رجليَّ فجأة، واندفع بثقله عليهما حتى لامستا رأسي، ثبّتهما بيد، وبالأخرى ظل يضربني على موضع النزيف… ضرباتٌ متصاعدة، قوةً وألمًا، حتى أُغمي عليّ. لا أعلم كيف بلغ الخبرُ أهلي، لكنهم حضروا قبل أن يُنهي حياتي. أخذوني، ولم أعد إليه أبدًا. سكتت قليلًا كي تهدأ، ثم تابعت بصوتٍ أخفض: — وبعد عشر سنوات… رأيته مرتين في المنام. الأولى: كان في بئرٍ تتقد نارًا. والثانية: كان يمشي عاريًا في الطريق، يتحاشاه الناس كأنه وباء. كان في المجلس رجلٌ يجلس حيث لا تراه المرأة. التفتُّ إليه، وهمست: — أأُصدّقها؟ قال ببرودٍ لا يخلو من ضيق: — لا. قلتُ حائرًا: — ولماذا؟ ساد صمتٌ ثقيل… ثم قال: — لأنني… أنا طليقها. تحرّك الرجل ببطء، ومرَّ أمام المرأة، أدّى التح...