التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللواء الدكتور محمد رضا عوض يكتب عن سيدنا الإمام الشافعي


الإمام الشافعى هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمى القرشى المطلبى، ويلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عبد مناف، وهو عالم العصر، وناصر الحديث، وإمام قريش، والإمام المجدد، وأحد أبرز أئمّة أهل السنة والجماعة عبر التاريخ، وثالث الأئمة الأربعة وصاحب المذهب الشافعى فى الفقه الإسلامىّ.


 ويُعَدّ مؤسّس علم أصول الفقه، وهو أول من وضع كتابًا لأصول الفقه سماه الرسالة وله عدة مؤلفات أخرى.


 وهو أيضًا إمام فى علم التفسير وعلم الحديث، وقد عمل قاضيًا فعُرف بالعدل والذكاء وكان شاعرًا واشتهر شعره بالحكمة، وكان أبوه قد هاجر من مكة إلى غزة بفلسطين بحثًا عن الرزق لكنه مات بعد ولادة محمد عام (150ه - 767م) بمدة قصيرة فنشأ محمد يتيمًا فقيرًا، ولما بلغ سنتين قررت أمه العودة بابنها إلى مكة حتى لا يضيع نسبه، فأتم حفظ القرآن وعمره سبع سنين. 


وعرف بشجو صوته فى القراءة، ولحق بقبيلة هذيل العربية لتعلم اللغة والفصاحة. 


وكانت هذيل أفصح العرب، ولقد كان لهذه الملازمة أثر فى فصاحته وبلاغة ما كتب، وبلغ من اجتهاده فى طلب العلم أن أجازه شيخه مسلم بن خالد الزنجى بالفتيا وهو لا يزال صغيرًا.


 حفظ الشافعى وهو ابن ثلاث عشرة سنة تقريبًا كتاب الموطأ للإمام مالك ورحلت به أمه إلى المدينة ليتلقى العلم عند الإمام مالك، وذهب الشافعى إلى الإمام مالك، فلما رآه الإمامُ مالكٌ قال له: 


يا محمد اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، إن الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بالمعصية. 


ولازم الشافعى الإمام مالك ست عشرة سنة حتى توفى الإمام مالك (179 هجرية) وفي الوقت ذاته تعلم على يد إبراهيم بن سعد الأنصارى، ومحمد بن سعيد بن فديك وغيره. 


وبعد وفاة الإمام مالك سافر الشافعى إلى نجران واليًا عليها وعلى الرغم من عدالته فقد وشى البعض به إلى الخليفة هارون الرشيد، فتم استدعاؤه إلى دار الخلافة سنة (184 هجرية)، وهناك دافع عن موقفه بحجة دامغة وظهر للخليفة براءة الشافعى مما نسب اليه وأطلق سراحه.


 وفى أثناء وجوده فى بغداد اتصل بمحمد بن الحسن الشيبانى تلميذ الإمام أبى حنيفة وقرأ كتبه وتعرف على علم أهل الرأي، ثم عاد بعدها إلى مكة وأقام فيها نحو تسع سنوات لينشر مذهبه من خلال حلقات العلم فى الحرم المكى ومن خلال لقائه العلماء فى أثناء مواسم الحج.


 وتتلمذ عليه فى هذه الفترة الإمام أحمد بن حنبل، ثم عاد مرة أخرى إلى بغداد سنة (195 هجرية)، وكان له بها مجلس علم يحضره العلماء ويقصده الطلاب من كل مكان فلبث بها سنتين ولازمه خلال هذه الفترة كبار أصحابه وهم أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والزعفرانى ثم غادر بغداد إلى مصر. 


وظل الإمام الشافعى فى مصر ولم يغادرها، يُلقى دروسه فى جامع عمرو بن العاص، فمال إليه الناس وجذبت فصاحته وعلمه كثيرًا من أتباع الإمامين أبى حنيفة ومالك.


 وبقى فى مصر خمس سنوات قضاها كلها فى التأليف والتدريس والمناظرة والرد على الخصوم. 


وفى مصر وضع مذهبه الجديد وهو الأحكام والفتاوى التى استنبطها بمصر وخالف فى بعضها فقهه الذى وضعه فى العراق، وصنف فى مصر كتبه الخالدة. 


جاء الشافعى والجدل مشتعل بين مدرستين أساسيتين فى الفقه الإسلامى هما مدرسة الرأي، ومدرسة الحديث، فقد نشأت مدرسة الرأى فى العراق وهى امتداد لفقه عبد الله بن مسعود ثم أبو حنيفة النعمان الذى فاق أقرانه وانتهت إليه رئاسة الفقه، وتقلد زعامة مدرسة الرأي، وأما مدرسة الحديث فقد نشأت بالحجاز وهى امتداد لمدرسة عبد الله بن عباس، ومالك بن أنس، فأخذ الشافعى موقفًا وسطًا، وحسم الجدل الفقهى القائم بينهما بما تيسر له من الجمع بين المدرستين بعد أن تلقى العلم وتتلمذ على كبار أعلامهما مثل مالك بن أنس من مدرسة الحديث ومحمد بن الحسن الشيبانى تلميذ أبى حنيفة النعمان من مدرسة الرأى. 


وكان الإمام الشافعى حسن الخلق، محببًا إلى الناس، نظيف الثياب، فصيح اللسان، شديد المهابة، كثير الإحسان، كما كان جميل الصوت فى القراءة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...