بقلم د. نجلاء الورداني كان الخلاف بينهما صغيرًا… صغيرًا إلى الحد الذي لا يستحق كل هذا الصمت. لكنها، في تلك الليلة، قررت أن تعاقبه بطريقتها؛ أغلقت هاتفها، ورفضت أن تبادر بالحديث. كانت تعرف أنه سيعود إليها، كما يفعل دائمًا. مرّ المساء بطيئًا. كانت تفتح المحادثة كل بضع دقائق، تحدق في آخر رسالة بينهما، ثم تغلق الهاتف دون أن تكتب شيئًا. قالت لنفسها: خليه هو اللي يبدأ. وفي الصباح، رن هاتفها. رقم غريب. ترددت قبل أن تجيب. — حضرتك تعرفي لؤي؟ توقفت أنفاسها للحظة. — أيوه… جاءها صوت رجل مكسور: — أنا والده يا بنتي… لؤي توفّي الليلة الماضية! لم تفهم.. كأن الكلمات وصلت إليها بلغة أخرى. سقط الهاتف من يدها، وجلست مكانها تحدق في الفراغ. بعد دقائق، وصل إشعار على هاتفها. رسالة من حساب لؤي فتحت الرسالة بيد مرتجفة: "متزعليش مني… أنا كنت ناوي أكلمك أول ما أصحى". ظلت تنظر إلى الشاشة طويلًا. لم تبكِ.. الصدمة كانت أكبر من الدموع. تذكرت كيف أغلقت آخر محادثة بينهما متعمدة، وهي تظن أن الزمن جزء من العلاج. خلافات صغيرة لم يرد على خاطرها قط أنها تتحول إلى نهاية صادمة.
د. نجلاء الورداني لم تكن المأساة مجرد جريمة قتل، بل كانت لحظة انهيار كاملة لمنظومة من القيم التي ظل المجتمع يقدسها عبر تاريخه. ففي لحظة واحدة، سقط الأب ضحية للعنف، وسقط الابن أخلاقيًا قبل أن يسقط قانونيًا، ثم انهارت الأم تحت وطأة الحقيقة، بعدما اكتشفت أن شريك العمر قد رحل على يد الابن الذي حملته بين ذراعيها وربّته على أمل أن يكون سندًا للحياة، لا سببًا في فنائها. إن فداحة المشهد لا تكمن في عدد الضحايا، وإنما في طبيعة العلاقة التي تحطمت. فحين تتحول رابطة الأبوة والبنوة، القائمة على الرحمة والبر والوفاء، إلى علاقة تحكمها المصلحة المادية، فإننا لا نكون أمام جريمة فردية فحسب، بل أمام جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة منظومة القيم التي تحكم حياتنا. فالأسرة كانت، ولا تزال، المؤسسة الأولى التي يتشكل فيها الضمير الإنساني، ويتعلم فيها الأبناء معنى الاحترام، والامتنان، وحدود الحق، وقدسية الحياة. غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة، وما صاحبها من تصاعد النزعة الاستهلاكية، أفرزت ثقافة تقيس قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمل من أخلاق، فأصبح المال لدى البعض معيارًا للنجاح، وتراجعت مكانة ...