كيف يحقق العبد الثبات بعد التوبة الصادقة ويحمي قلبه من النكوص والعودة للذنب؟ يرتكز الثبات على ثلاثة أقطاب عملت عليها الشريعة؛ تبدأ بتحقيق النية الجازمة، والفرار من مواطن الزلل، واللجوء الدائم لله عز وجل. أسباب الثبات بعد التوبة ترتكز التوبة الصادقة على دعائم متينة تضمن للقلب ثباته، وتحميه من العودة لمواطن الزلل من خلال منهجية إيمانية وعملية واضحة، وَهُوَ دَائِرٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْطَابِ، هِيَ لَهُ كَالعُمَدِ وَالْأَبْوَابِ: الْقُطْبُ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَوْقِفِ الْأَوَّلِ: تَحْقِيقُ النِّيَّةِ. وذلك بتصميم العزم على عدم الْعَوْدِ لما خُرِجَ عنه جُمْلَةً عند الابتداء، وتفصيلاً في الدوام، إذ لا يلزم عند جزم التوبة تذكار تفاصيل ما وقعت التوبة منه؛ لمشقته، لكن تُتْبَعُ بأحكامها بعد ذلك. ودواعي الثبات في هذا العزم ثلاثة أشياء: أحدها: أن تفر من المحل الذي تخشى منه عَوْدَهُ جملة، وإلا ففي الوقت الذي تخشى ذلك فيه، أو عند ظهور أول أسبابه. الثاني: اِتِّهَامُ النفس بوجود بقايا النُّزُوعِ إليه، حتى تكون على حذر منه، وإلا وقعت فيه قبل الشعور بسببه أو وقته. الثالث: إشغال النفس عنه بما يقاب...
بقلم: د. عمار علي حسن يُعَدُّ الزهد واحداً من الأعمدة الروحية للتدين السليم، إذ من غير الممكن أن يوجد التسامي إلا في رحاب الزهد؛ لأنه بمنزلة المعرفة والسلوك الضروري الذي لا بد منه لمنع الإنسان من "التشيؤ" أو التحول إلى سلعة رخيصة، ولأنه يعني في مجمله: عدم إرادة الشيء، وعدم قصده، والانشغال به، أو طلبه. وقد أورد القشيري في رسالته الشهيرة بعض التعريفات للزهد التي تفيد بإيثار الانسحاب من الدنيا وأمورها، مثل قوله: «الزهد هو سُلُوُّ القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي عن الأملاك»، وهو «عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف»، ويبلغ التقشف ذروته حينما يقول: «لو كان الجوع يُباع في السوق، لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره». وقد انتشر الزهد في حياة المسلمين الأوائل بسبب السياسة؛ فالخلافات التي نشبت بين الفرق الإسلامية والولاة من جهة، والتفاوت الاجتماعي الذي حدث بعد انقضاء الخلافة الراشدة وازدادت حدته في العصر العباسي من جهة ثانية، دفعا بعض المسلمين إلى الميل للاعتزال، والعزلة، والزهد في الدنيا وملذاتها. والزهد يخلق قيماً سياسية متعارضة؛ بعضها سلبي وبعضها الآخر إيجابي؛ فالزهد ف...