بقلم أ.د. عزة شبل محمد أستاذة اللغويات بكلية الآداب في جامعة القاهرة وأستاذة اللغة العربية بكلية الدراسات الأجنبية في جامعة أوساكا باليابان دخلتْ تتسلل إلى المكان، متثاقلة، تمشي على مهلٍ حتى لا يلتفت إليها أحد، تُقدِّم رِجْلاً وتُؤخِّر أخرى. وبالفعل نجحتْ في عبور الباب الزجاجي للعيادة دون أن يلاحظها أحد، بعد أن ظلَّتْ واقفة أمامه لبرهة، فالكل مشغول. رجلٌ يبلغُ من العمر السبعين يرتدى نظارة ذهبية، يقرأ كتابًا في حجم قبضته، تُطِلُّ منه ورقةٌ بيضاء صغيرة، وتجلسُ بجانبه عصا عاجية ذات رأسٍ مُتحجِّرة. نجحتْ فى أنْ تمرَّ بجانبهما بهدوء، دون يلتفتا إلى تلك الفضولية التى قررتْ أن تدخلَ المكان، مستكشفةً ذلك العالم الجديد. عالَمان مختلفان، يفصلُ بينهما جدارٌ زجاجي، تلك الصغيرة تمردَتْ على عالمِها الواسع الهادئ، وقرَّرتْ الدخول إلى ذلك المكان الضيق الذي يعج بالضجيج، استطاعتْ أن تجتازَ ذلك الحاجز الوهمي بين العالمين، تخلَّتْ عن عالمِها الوردي الأخضر، وتسللتْ نحو النور المُنْبعث من المكان. تجاوزت العجوز المنهمك فى القراءة والعصا الجالسة بجواره؛ لتمرَّ بفتاةٍ صغيرة، ترتدي بنطالًا ممزقًا تتدلى منه خيوط...
د. نجلاء الورداني لم تكن الأم تعرف أن الصباح الذي ودعت فيه أبناءها الستة سيكون آخر صباح تسمع فيه أصواتهم. كانت واقفة عند الباب، تراقبهم وهم يستعدون للخروج. واحد يربط حذاءه على عجل، وآخر يبحث عن هاتفه، وثالث ينادي على أخيه كي لا يتأخروا. أصواتهم كانت تملأ البيت. قالت لهم، كعادتها: "خلي بالكم من أنفسكم." لم تكن تعرف أن هذه الجملة البسيطة ستظل عالقة في قلبها إلى الأبد. خرجوا. وأُغلق الباب. ثم بدأ الانتظار. في البداية كان انتظارًا عاديًا.. ذلك الانتظار الذي تعرفه كل أم حين يخرج أبناؤها إلى العمل. تعدّ الساعات، تنظر إلى الهاتف، وتقول: "لسه بدري." ثم رن الهاتف. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد شيء في البيت كما كان. خبر عن حادث. سيارات إسعاف. مستشفى. أسماء تتردد. ثم اسم ابن. ثم اسم آخر. ثم ثالث. كانت تحاول أن تفهم، لكن عقلها كان يرفض أن يفهم. ستة؟ لا. مستحيل. كيف يمكن لقلب أم أن يستوعب أن أبناءها الستة الذين خرجوا معًا قد لا يعودون؟ ربما كانت في تلك اللحظة تبحث عن أي احتمال صغير ينقذها من الحقيقة. "يمكن حد غلط في الأسماء." "يمكن ولادي في مستشفى تاني." "يمكن...