التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

حين تصبح الدراما الرمضانية وسيلة للتوعية بالخدمات المجتمعية

بقلم د. نجلاء الورداني شهدت الدراما الرمضانية المصرية في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مضمونها ووظائفها، حيث لم تعد تقتصر على تقديم الترفيه أو عكس الواقع الاجتماعي فحسب، بل أصبحت تؤدي دورًا أكثر تعقيدًا يتمثل في التوعية بالخدمات والمبادرات المجتمعية الرسمية. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في بعض الأعمال التي تضمنت الإشارة إلى مؤسسات الدولة وبرامجها، مثل إبراز الخط الساخن الخاص بـ المجلس القومي للمرأة، أو الترويج لمبادرات توعوية مثل مودة. يندرج هذا التوجه ضمن ما يمكن تسميته بـ"الوظيفة الإرشادية للدراما"، حيث يتم دمج الرسائل التوعوية داخل البناء السردي للعمل الفني، بحيث يتعرض المشاهد لمشكلة اجتماعية (كالعنف الأسري أو التفكك العائلي)، ثم يُقدَّم له في سياق الأحداث مسار مؤسسي للحل، كالاتصال بجهة رسمية أو الاستفادة من برنامج توعوي. وهنا لا تكتفي الدراما بتشخيص الظاهرة، بل تنتقل إلى مستوى التدخل غير المباشر في تشكيل سلوك الأفراد. من منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار عدة اتجاهات نظرية. أولها، اعتبار الدراما أداة من أدوات الضبط الاجتماعي غير المباشر، حيث تساهم في ترسيخ ا...
آخر المشاركات

التربية الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي: من مهارة تحليلية إلى ضرورة وجودية

كتبت بسنت أحمد لبيب لم يعد الحديث عن التربية الإعلامية اليوم ترفًا فكريًا أو خيارًا معرفيًا مؤجّلًا، بل تحوّل إلى ضرورة وجودية في عالم يتشكل بوتيرة تتجاوز قدرة الإنسان على الاستيعاب اللحظي. فنحن لا نعيش مجرد طفرة تقنية، بل نواجه تحوّلًا عميقًا في بنية المعرفة ذاتها، أعاد طرح سؤال الحقيقة بوصفه إشكالية مفتوحة، لا إجابة جاهزة لها. في هذا السياق، لم يعد الوصول إلى الحقيقة فعلًا بسيطًا قائمًا على تتبع المعلومات، بل أصبح ممارسة نقدية معقدة، تتطلب وعيًا بالآليات الخفية التي تنتج بها الرسائل الإعلامية، في بيئة تتداخل فيها الخوارزميات مع الإدراك البشري على نحو غير مسبوق. لقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية الاتصالية، فلم يكتفِ بإعادة تشكيل أدوات الإنتاج، بل امتد ليعيد تعريف طبيعة المحتوى ذاته، الذي لم يعد تعبيرًا بشريًا خالصًا، بل بناءً خوارزميًا هجينًا، قادرًا على محاكاة الواقع بدرجة عالية من الإقناع. وهو ما أدى إلى زعزعة أسس المصداقية التقليدية، وفتح المجال أمام تساؤلات عميقة حول حدود التمييز بين ما هو واقعي وما هو مصنع وتتجسد هذه الإشكالية بوضوح في تصاعد ظاهرة "التزييف العميق...

الحقيقة في زمن الحروب: من يملك الرواية؟

كتبت بسنت أحمد لبيب: في أوقات الحروب لا يصبح الصراع مقتصرًا على الأرض أو السلاح فقط، بل يمتد أيضًا إلى ساحة أخرى لا تقل تأثيرًا: ساحة الرواية الإعلامية. فكل حرب لا تنتج فقط أحداثًا ووقائع، بل تنتج كذلك روايات متعددة تحاول تفسير ما حدث وتقديمه للجمهور من زوايا مختلفة. وهنا لا يدور التنافس فقط حول ما جرى، بل حول الطريقة التي يُروى بها ما جرى. في هذا السياق، تصبح الحقيقة نفسها موضوعًا للنقاش، لأن ما يصل إلى الجمهور غالبًا ما يكون نتيجة عملية معقدة من الاختيار والتفسير والعرض الإعلامي. فوسائل الإعلام لا تنقل الأحداث بشكل آلي أو محايد تمامًا، بل تقدمها ضمن سياقات معينة، من خلال اختيار العناوين والصور واللغة المستخدمة في السرد. وقد يؤدي هذا الاختيار  حتى دون قصد إلى إبراز جوانب معينة من الحدث وإخفاء جوانب أخرى، مما يجعل الصورة التي تتشكل في وعي الجمهور جزءًا من واقع أوسع وأكثر تعقيدًا. ومع تطور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت عملية إنتاج الروايات أكثر تعددًا وتشابكًا. فلم يعد الإعلام التقليدي وحده هو من ينقل الأخبار، بل أصبح الأفراد أنفسهم ينشرون الصور والمقاطع المصورة وال...

حين تنتصر الساندوتشات على الحقيبة المدرسية: قراءة سوسيولوجية في دلالات سلوك طفولي بسيط

بقلم د. نجلاء الورداني  في مشهد يبدو عابرًا داخل أحد الفصول الدراسية، يقرر طفل أن يستبدل حقيبته المدرسية المليئة بالكتب بسندوتشات زميله. قد يُفسَّر هذا السلوك سريعًا باعتباره نوعًا من العبث أو السلوك غير المنضبط، لكن التأمل العميق يكشف أنه يحمل دلالات أعمق تتجاوز بساطته الظاهرية، ليعكس شبكة معقدة من الاحتياجات غير المشبعة والتفاعلات الاجتماعية داخل البيئة المدرسية. إن هذا الفعل يضعنا أمام مفارقة واضحة بين حاجتين أساسيتين: الحاجة إلى التعلم، والحاجة إلى الإشباع الفسيولوجي والنفسي. فوفقًا لمنطق الحاجات الإنسانية، لا يمكن توقع أن ينخرط الطفل بفاعلية في العملية التعليمية بينما يعاني من الجوع أو الحرمان. ومن ثم، فإن اختيار الطفل للسندوتشات ليس مجرد تفضيل وقتي، بل هو استجابة فطرية لأولويات البقاء، حيث تتقدم الحاجات الأساسية على القيم المجردة كالتعليم والانضباط. من زاوية سوسيولوجية، يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه انعكاسًا لعدم تكافؤ الفرص داخل المدرسة، حيث تتجاور حالات الحرمان مع الوفرة في نفس الحيز المكاني. هذا التفاوت قد يولد لدى بعض الأطفال مشاعر نقص أو اغتراب، تدفعهم إلى سلوكيات تعويضية،...

يوميات محظور: ملحمة الصبر والنجاة (2)

  بقلم د. نجلاء الورداني في زمن الحظر، لم تعد الزوجة مجرد إنسانة عادية تعيش يومها بهدو، بل تحولت إلى كائن خارق متعدد المهام والقدرات، يجمع بين الطباخة، المعلمة، الطبيبة النفسية، محللة الأزمات، وقاهرة المشكلات. وأحيانًاحكم كرة قدم بين أفراد الأسرة! اليوم الأول من الحظر:  حماس كاذب تبدأ الزوجة يومها بابتسامة عريضة وخطة مثالية: "هننظم البيت، نعمل أكل صحي، ونقضي وقت عائلي لطيف". بعد ساعتين فقط… تكتشف أن "الوقت العائلي اللطيف"، ما هو إلا شجار على الريموت، و"الأكل الصحي" تحول إلى اندومي، و"تنظيم البيت" أصبح حلمًا مؤجلًا إلى إشعار آخر. اليوم الثالث: انهيار الجدول الزوجة تحاول جاهدة الحفاظ على روتين الحياة: - تصحي الأولاد للمدرسة أونلاين - تفتح اللابتوب - تحضر الفطار - ترد على 37 رسالة واتساب   وفي النهاية… تكتشف أن الحصة خلصت وهي لسه بتدور على كلمة السر! اليوم الخامس: اكتشافات خطيرة تكتشف الزوجة حقائق لم تكن تعلمها: - الزوج لا يعرف مكان السكر رغم أنه يعيش في نفس البيت منذ ١٥ عام. - الأولاد يأكلون أكثر من ٧ وجبات يوميًا (بشكل غير رسمي). - المطبخ كائن حي ...

يوميات محظور: طرقةٌ لا تُنسى (١)

  بقلم د. نجلاء الورداني في الصباح الباكر، بينما تستيقظ المدينة على ضجيجها المعتاد، يبدأ هو يومه حاملًا أوراقًا ليست مجرد مستندات، بل مصائر معلّقة بين الخوف والانتظار؛ إنه المحضَر، ذلك الذي يطرق الأبواب لا ليطلب شيئًا، بل ليُسلِّم واقعًا لا يمكن الهروب منه، يتنقل بين عناوين تحمل قصص طلاق ونزاعات وديون، يواجه أبوابًا تُغلق في وجهه، ووجوهًا تتبدل بين القلق والغضب والإنكار، فيُتهم أحيانًا بأنه خصم رغم أنه مجرد رسول للحقيقة، يعيش يومه بين طرقات مترددة ونظرات مرتابة، مدركًا أن كل ورقة يحملها قد تغيّر حياة إنسان، ومع مرور الوقت تتشكل رؤيته للعالم من زاوية مختلفة؛ أكثر حذرًا، وأكثر وعيًا بهشاشة العلاقات الإنسانية، فهو ليس قاضيًا يصدر الحكم، لكنه أول من يضعه في مواجهة أصحابه، يقف في تلك المساحة الرمادية بين القانون والواقع، بين النصوص الجامدة والمشاعر المتدفقة، وبين كل باب وآخر تتراكم داخله حكايات لا تُحكى، حتى يصبح هو نفسه شاهدًا صامتًا على تفاصيل مجتمع كامل، وكأن يومياته غير المكتوبة تهمس دائمًا: "أنا لست العدو… أنا فقط من يطرق الباب حاملاً الحقيقة".

ستر

  قصة قصيرة بقلم/ عبد الرحمن هاشم   تطاير في أنحاء الكلية نبأ حضور العميد الجديد.   تلقت النبأ وهي في طريقها إلى الجامعة . لا مفر من أن تُهنئَهُ مع زملائها من المدرسين والأساتذة، وبخاصة وأنه عائد من الصين.   ألمحت لها زميلة بمجرد وصولها إلى القسم : -         يُنوهون بعلاقاته مع الكبار، ويتحدثون أيضًا عن كفاءته في الإدارة.   كان دائمًا احتمالا متوقعا، وها هو قد وقع.   لاح في عينيها نظرة ممتعضة، ومع ذلك ذهبت مع الذاهبين إلى الحجرة المفتوحة على مصراعيها.   وقف في منتصف الحجرة يستقبل المهنئين والمهنئات، والابتسامة لا تفارقه .   تقدَّمتْ في خُطى سريعة مُركَّزةً نظرها على صدره دون عينيه ومدَّت يدها ولم تنبس بكلمة!   صافَحَها وقال وهو يدقق فيها النظر: مرحبا. صدمات هذا الرجل هدتها. رجعت إلى بيتها بغير الحال الذي خرجت به؛ تحدثت إلى أمها على مائدة الطعام بإيجاز: -         د. منصور، منصور رجب، تذكرينه؟ أصبح عميدا لكليتنا. -    ...