قصة قصيرة بقلم: عبد الرحمن هاشم في أول يوم لي بالمدينة وصلت المسجد وخطبة الجمعة قائمة. كان المشهد مهيبًا؛ افترش الزائرون الساحات الداخلية والخارجية، بل وفوق السطح، صفوفًا متراصة بثياب بيض، تعلو وجوههم سكينةٌ رغم حرّ الطقس وضيق المكان . بعد الصلاة بدا الوصول إلى الروضة الشريفة والقبر المنير أشبه بمحاولة شقّ بحرٍ بشري. وقفنا في طابور طويل جاوز الساعة. وحين بلغت المدخل بعد مشقة، أوقفني أحدهم طالبًا تصريح الزيارة . لم أكن قد سجلت العمرة عبر الموقع الرسمي؛ دخلت بتأشيرة زيارة سياحية، ولم يخطر ببالي أن يُحال بيني وبين الروضة. قلت : — أريد الدخول… وليس معي تصريح . جاء الرد قاطعًا : — لا بد من تصريح . ألححتُ. فتقدّمت امرأة من أفراد الأمن لتتولى الأمر. قلت لها وأنا ألهث من التعب : — تعبت كثيرًا حتى أصل إلى هذا المكان الطاهر . قالت ببرودٍ لا يخلو من عدل : — كل هؤلاء تعبوا مثلك… وربما أكثر . تراجعتُ خطوة. كان الواقفون ينصتون إلى جدلٍ لا طائل منه. تسلّل اليأس إلى صدري، لكن الشوق كان أقوى؛ كنت أريد أن أقف عند الحبيب، أن أبكي، أن أستغفر… لم أكن أعرف إلا أن الزيارة ينبغي أن تت...
قصة قصيرة بقلم: عبد الرحمن هاشم نظر في يومياته يراجع عامًا مضى بأفراحه وأحزانه، فوجد أنه تعرّف عليها في موسم الحج بمكة، والتقى بها مرة ثانية في المركز الصحي بالمدينة. أما المرة الثالثة، فكانت في القاهرة، بعد شهرين من آخر لقاء. في هذه المرة، وبعد انتهاء الاحتفالية التي دُعيا إليها، أصرّت على الانفراد به لتبثه عواطفها نحوه. أشفق عليها من التمادي في أمرٍ لا يرحم، وأخبرها بوضوح أن ما تعانيه—إن كان حبًا—فهو من طرف واحد، أو حالة اضطراب نفسي تحتاج إلى طبيب. عجبت من صراحته، وقالت هامسة: — أنت طبيبي! خشي أن تفسد عليهما الحج، فردّ بصدق: — أَنَتَّبِعُ الشيطان بعد أن رجمناه؟ لم تستسلم لمنطقه، وتمادت خالعة نقاب الحياء: — أشعر بسعادة حقيقية في جوارك… لمست ذلك في كل لقاء سابق، وها هي سعادتي تتجدد الآن، على نحو لا يمكن أن تحسّه إلا إذا اقتربتَ مني. انقبض صدره انقباضًا ثقيلاً، وتيقّن أنها في حالة لا ينفع معها الصدام، فلجأ إلى المداراة حتى تمضي في سبيلها. ثم تذكّر أمرًا لعلها غافلة عنه، فقال: — في هذه الحالة لا يص...