بقلم: عبد الرحمن هاشم وهي تحكي لي، استمعتُ إلى قصة صبرها وإخلاصها لزوجها الذي وقع اختياره عليها منذ 75 عاماً؛ حينما أخذ أبوها بيده، وفتح حجرة بمنزله كان بداخلها ثلاث فتيات (أخوات)، وقال له بمبادرة غريبة: "اختر أيهن أعجبتك زوجناكها!" . قال الرجل دون تردد: "هذه الطويلة البيضاء!" . واتضح أن هذه الطويلة البيضاء هي أنا.. البكرية، كبرى البنات الثلاث. كان زوجي من عائلة كريمة شهمة تنجد الملهوف، لكن المأخذ الوحيد عليهم كان أن لسانهم "فالت" طويل، يطال عند الغضب الآخرين بالسب، والمعايرة، وإبراز العيوب. وتحملتُ سبه، وضربه، وإهاناته، وتعجبتُ لكريمٍ شهمٍ كيف ينفلت لسانه؟! لقد امتصَّ جسدي وعقلي، وكنتُ موضع استشارته في كل صغيرة وكبيرة، وكذلك كنتُ موضع ثقته المطلقة؛ لدرجة تحمُّلي الكامل لرعاية أولاده وتعليمهم وتزويجهم. ومن مظاهر خضوعي له أنني كنت ألبسه الجوارب والحذاء؛ لأنه كان ذا كرش لا يستطيع معها الانحناء! وجعلتُ المطبخ شغلي الشاغل؛ أخرجتُ منه أحلى الأطعمة، ونَمَتْ من خلاله أجساد أبنائي، ونال ثناء جميع أفراد العائلة.. وفي واقع الأمر، كنتُ أُخرج من خلاله التوتر الكامن في...
بقلم: عبد الرحمن هاشم إذا كان "القلب هو محل نظر الرب" ، فإن الإنسان المعاصر يعيش اليوم أزمة هوية مرعبة. لقد نقلت وسائل التواصل الاجتماعي زحام الحياة من الشوارع والأسواق إلى عمق وجداننا، وحولتنا المنصات الرقمية —عبر الإعجابات (Likes) والمشاركات (Shares)— إلى كائنات تلهث وراء "مظهر" افتراضي؛ مظهر مشحون بالكمال الزائف والتصنع، مما جعل القلوب مكشوفة تماماً أمام أعتى المعاصي الخفية: الرياء العريض، والعُجب المتأصل، والكبر الخفي . في عصرنا الرقمي، لم يعد الرياء مجرد ركعتين يطيل السائر فيهما ركوعه ليراه من في المسجد؛ بل أصبح "رياءً عابراً للقارات"، يُوثق بالصوت والصورة، ويُقدّم تحت لافتات الخير والنصح، بينما يستجدي الباطن نظرة الإعجاب من المخلوقين. أما "العُجب" فقد صار مرضاً تفرزه الشاشات مع كل إشعار جديد يُوهم المرء بأنه بات مصلحاً، أو عالماً، أو متميزاً، فيغتر بنفسه ويحجب روحه عن لذة الانكسار بين يدي خالقه. فمن أين يبدأ العلاج في هذا الواقع الرقمي المعقد؟ وكيف يحمي الإنسان المعاصر قلبه؟ إن الشفاء —كما قرر الحبيب الجفري— "لا يكتمل بالمعرفة وحدها...