بقلم/ د. نجلاء الورداني لم يكن المرض الذي أصابها عابرًا، ولم يكن الطريق الذي سارت فيه سهلًا. كان مرضًا صعبًا، يعرف كيف يختبر الجسد ويستنزف القوة، لكنه لم يستطع يومًا أن ينتزع منها جديتها ولا ابتسامتها. كانت تمشي بيننا وكأنها تُدرِّبنا على الصبر، وتُعلِّمنا — دون خطبة — كيف يمكن للإنسان أن يكون قويًا وهو يتألم. في الأيام المباركة التي نعيشها الآن، أيام الفضل والصفاء، رحلت. وكأن السماء اختارت لها توقيتًا يليق بنقاء قلبها. رحلت بهدوء يشبه هدوءها، وتركَت في القلب ضجيجًا لا يهدأ. كانت جادة في عملها، دقيقة في كلماتها، صادقة في مشاعرها. لم تكن من الذين يشتكون كثيرًا، ولا من الذين يعلنون وجعهم. كانت تُخفي ألمها خلف ابتسامة ثابتة، ابتسامة لا تُنكر الألم، لكنها تتجاوزه. وكأنها كانت تقول لنا: “الحياة تُعاش رغم كل شيء.” حين نفكر في الموت، نظنه حدثًا بعيدًا، فكرة فلسفية نتداولها في الكتب أو في قاعات الدرس. لكن حين يمرّ الموت من باب بيتنا، أو يخطف صديقة شاركتنا تفاصيل العمر، يتحول من مفهوم إلى زلزال داخلي. الموت ليس فقط نهاية حياة، بل إعادة تعريف للحياة نفسها. فجأة ندرك هشاشتنا، ونفهم أن كل لحظة عشن...
قصة قصيرة بقلم عبد الرحمن هاشم كنت أتعجب من حياتي، وكيف كانت قسمتي فيها. زوجي الرجل المهم لم يكن يحبني ويحترمني فقط، بل كان يتعامل معي وكأنني خُلقت خصيصًا لإسعاده، وفُصِّلت له تفصيلاً. ولم أكن جميلة على نحو لافت، ولا صاحبة مواهب استثنائية، ولا أملك مالًا خاصًا؛ مجرد شهادة جامعية عادية… وحياة عادية. لكن السر تكشف لي حين اعتكفت في البيت حدادًا عليه. لم يكن يحب أن أحدثه فور دخوله، ولا أن ألاحقه بأسئلة أو عتاب؛ كان يكرر لي القول: — ما في عقلكِ يظهر في عينيكِ… وما في باطنكِ يخرج في قولكِ . لم أكتشف سر حبّه في لحظة بكاء، بل في ذكرى صغيرة كنت أظنها عابرة. كان يعود من عمله متعبًا، يخلع سترته الرسمية بعناية، ويجلس في مقعده القريب من النافذة. كنت أضع له فنجان القهوة على الطاولة الصغيرة، وأتركه وحده. مرّت سنوات وأنا في حيرة لدرجة أنني ظننت أنني أتجاهله، وأنني لم أجلس معه كما ينبغي لزوجة محبة لزوجها. وفي إحدى الليالي قال لي فجأة: — أنتِ المرأة الوحيدة التي لا تقتحم صمتي. ثم ابتسم وأضاف: — لهذا...