د. نجلاء الورداني لم تكن الأم تعرف أن الصباح الذي ودعت فيه أبناءها الستة سيكون آخر صباح تسمع فيه أصواتهم. كانت واقفة عند الباب، تراقبهم وهم يستعدون للخروج. واحد يربط حذاءه على عجل، وآخر يبحث عن هاتفه، وثالث ينادي على أخيه كي لا يتأخروا. أصواتهم كانت تملأ البيت. قالت لهم، كعادتها: "خلي بالكم من أنفسكم." لم تكن تعرف أن هذه الجملة البسيطة ستظل عالقة في قلبها إلى الأبد. خرجوا. وأُغلق الباب. ثم بدأ الانتظار. في البداية كان انتظارًا عاديًا.. ذلك الانتظار الذي تعرفه كل أم حين يخرج أبناؤها إلى العمل. تعدّ الساعات، تنظر إلى الهاتف، وتقول: "لسه بدري." ثم رن الهاتف. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد شيء في البيت كما كان. خبر عن حادث. سيارات إسعاف. مستشفى. أسماء تتردد. ثم اسم ابن. ثم اسم آخر. ثم ثالث. كانت تحاول أن تفهم، لكن عقلها كان يرفض أن يفهم. ستة؟ لا. مستحيل. كيف يمكن لقلب أم أن يستوعب أن أبناءها الستة الذين خرجوا معًا قد لا يعودون؟ ربما كانت في تلك اللحظة تبحث عن أي احتمال صغير ينقذها من الحقيقة. "يمكن حد غلط في الأسماء." "يمكن ولادي في مستشفى تاني." "يمكن...
د. نجلاء الورداني لم تكن تعرف أن الخيانة يمكن أن تكون بهذا الوجع. تجلس بجواره، تظن أن قربها منه أمان، وأن سنوات العِشرة التي جمعتهما كافية لأن تجعل قلبه لا يرى امرأة أخرى. كانت تظن أن البيت الذي بنياه معًا، والسنوات، والذكريات، وكل ما تقاسماه، أشياء تكفي لأن تحمي علاقتهما للأبد. ولكنه لا يقنع بالمقسوم ويتطلع للبعيد. هاتفه مفتوحًا أمامها، والمكالمات تأتي تباعًا. امرأة تتحدث معه بدلال، وأخرى تضحك معه، وثالثة ترسل له ما يجعل قلب زوجته ينقبض في صمت. لم تكن تسمع الحكايات من أحد، ولم تكن تظن أو تتخيل... تسمع بنفسها وترى بعينيها. والأصعب من كل ذلك أنه لم يشعر أنه يرتكب ما يؤاخذ عليه أو يُعاب. يتعامل مع الأمر ببساطة شديدة، وكأن ما يفعله مجرد حديث عابر لا يستحق أن تُبنى عليه مشكلة أو أزمة. أما هي، ففي كل مرة تسمع فيها صوت امرأة أخرى، تشعر بشيء ينكسر داخلها. لم يكن الألم فقط لأنه يتحدث مع غيرها. بل في السؤال الذي ظل يطاردها: كيف استطاع أن يفعل ذلك وأنا بجواره؟ لماذا يمازح غيري، وأنا التي شاركته عمرًا وبيتًا وذكريات؟ هل وجودي إلى جواره لا يمنعه من البحث عن اهتما...