التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ورقة عمل لحل إشكالية الحيرة والمفاضلة بين السيء والأسوأ

 


ورقة عمل للحكام العرب: يفترض أن أهم ما يشغل بال الكتاب والمفكرين وحتى الساسة في الوطن العربي عقب أحداث سورية التي وضعت الجميع في حيرة بسبب المفاضلة بين سيء وأسوأ موضوعان كبيران لا ثالث لهما، خريطة الطريق التي يسير عليها الشعب السوري وقادته، والدروس المستفادة للدول العربية شعوبا وجماعات وحكام وحكومات.

وقد آثرت التفكير بعمق في استخلاص الدروس المستفادة من باب ما يحتمه الواجب الوطني والضمير المهني لي كباحث في الإعلام السياسي وأستاذ للرأي العام مهموم بقضايا وطنه على الدوام.
وقد تبين لي سبعة دروس يمكن أن تشكل ورقة عمل عاجلة لصناع القرار في الوطن العربي:
1- جدية المراجعة الوطنية لإشكالية شرعية السلطة في الوطن العربي التي قدم فيها أحمد بهاء الدين كتاباً كاملاً من أربعين سنة ولم يعتبر أحد، ولا تزال تعمل هذه الإشكالية كخطر كبير ينفخ فيه المثقفون والكتاب والشعراء من باب النقد والإصلاح، ويتفاقم هذا الخطر أثناء الأزمات، ويُستغل كأداة من الخارج الصهيوني والغربي والأمريكي خاصة في الضغط علينا وعلى حكامنا، حتى أن أحدهم لو أصر على موقفه الوطني أطلقوا عليه الآلة الإعلامية والمخابراتية والجاسوسية، وأشعلوا الخلافات مع الجيران.
2- معيار ونزاهة اختيار الحاكم، واختيار السلطة عامة بدءاً من رئيس الدولة أو الملوك والأمراء، ومروراً بمجلس الوزراء، والمحافظين، والبرلمان، والقضاء، والشرطة، وانتهاء بالقيادات الوسطى كرؤساء الجامعات ووكلاء الوزارات والمديريات والهيئات، فكيف نطلب من الموطن المصري مثلاً أن يكون مواطناً صالحاً ومخلصاً لعمله ووطنه وهو لا يطمئن لكيفية اختيار أعضاء مجلس النواب ورؤساء الجامعات؟ وحتى القيادات الدينية التي يفترض فيها ألا تمنح إلاّ لعالم تقي وصالح ومصلح، الأمر الذي يدعونا إلى إعادة النظر في وضع معايير تعلي من شأن العطاء والكفاءة والنزاهة.
3- اشكالية العلاقة بين السلطة والجماعات الدينية بمختلف ألوانها، وخاصة السياسية والجهادية والمتطرفة منها، ففي الأصل لا ينبغي أن يكون لهذه الجماعات تواجد ما دام هناك مؤسسات دولة تقوم بدورها، وفي حال حاجة المجتمع إليها تتواجد بإذن من الدولة شأنها شأن العمل الخيري والمدني.
فما الذي أدى لظهور هذه التنظيمات بشكل ينخر في عضد الدولة؟ وما الغطاء السياسي والإعلامي والديني لظهورها؟ وكيف تحولت إلى أداة حروب من الجيل الرابع والخامس لتدمير مجتمعاتنا من الداخل؟ وما الذي أوصلها إلى تنظيمات إرهابية وجماعات تكفيرية باسم الدين؟ ولماذا ظهرت عبارات تخليص البلاد من الُطغاة والمُستبدين والمُجرمين في بلاد العرب فقط، ولم تظهر في دول أخرى بالعالم؟
فلا التنظيمات الجهادية أو الارهابية، ولا جماعات الإسلام السياسي المُسلحة وغير المُسلحة أدركت استحالة توليها السلطة أو بقائها فيها، أو أنها تم استغلالها بقصد او بغير قصد طوال نصف قرن مضى في إسقاط دولها باسم الثورات والتحرير والإصلاح.
ولا الأنظمة العربية نجحت في احتواء هذه التنظيمات وتوظيف طاقاتها لصالح الوطن أو ضد بني صهيون، أو تحقيق إصلاح سياسي يقطع عليهم الطريق ويسقط الغطاء السياسي لتواجدهم.
4- إشكالية العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية الرسمية في البلاد، بحيث يتم وضع ضوابط دقيقة لاختيار كبار العلماء والفقهاء الذين يتحملون مسئولية الإفتاء في مسائل شائكة يختلط فيها فقه الواقع مع فقه الموازنات وفقه الأولويات نتيجة لتزاحم متغيرات العصر وموجات الحداثة والعصرنة، ويتطلب هذا الأمر مراعاة موسوعية هؤلاء العلماء في السياسة والاقتصاد والأيدولوجيات والثقافات، وتزويد هيئاتهم ومجالسهم بالخبراء الثقات في هذه التخصصات وغيرها مما يلزم للإفتاء الديني السليم الذي يراعي واقع العصر ومتغيراته الاقليمية والدولية، ويكفي تدليلاً على اهمية هذا الأمر ما كان يُثار ولا يزال من مصطلحات "علماء السلطة " أو "علماء السلطان" ولربما كانت فتاواهم هي السليمة التي تراعي مصالح الوطن وتحميه من الفتن.
5- إشكالية العلاقة بين مذهبي الإسلام السنة والشيعة، ثم إشكالية العلاقة بين العلمانية والإسلام، فقد أودى التحيز الشيعي لمعتقداته، ووهم أنها الصحيحة عقائديا، وتوسعهم في التشيع، ومطامعهم في التوسع الجغرافي، والهيمنة داخل بلاد يحكمها سنة، وأغلبها من أهل السنة، إلى ردود أفعال سنية اقليمية ودولية، بل وارتماء بعضهم في أحضان الصهيوني والأمريكي لحمايته.
فاشتعلت الصراعات والحروب الأهلية، وتفككت وتقسمت بسببها العراق واليمن وسورية ولبنان، واضطربت بسببها السعودية والبحرين والكويت، ولربما كان من عومل سقوط سورية رد الفعل السعودي لوقف التمدد والنفوذ الايراني في بلاد العرب وجزيرته، فلا مفر من إيقاف الخلط بين العقدي والسياسي، وتوقف السياسات الايرانية الاقليمية في الشرق الأوسط مقابل أن تتصدى البلدان العربية لمحاولات بني صهيون في اختراق المنطقة بشكل يهدد الأمن القومي الايراني.
كما أنه من المهم معالجة إشكالية العلماني في تقليله من شأن الدين، ومحاولات إقصائه من الحياة، ومهاجمة رموزه، والتشكيك في ثوابته سواء كان ذلك بغير علم، أو لحقد وحسد تربى ثقافياً عليه، أو لتجارة فاحشة مع الغربي والصهيوني، حيث تبين أن هذه الممارسات هي واحدة من الغطاءات الأساسية لظهور التنظيمات الدينية كرد فعل طبيعي لها وعليها.
6- ضوابط ممارسة الشورى والديموقراطية وحريات ومسئوليات الإعلام والتعبير والنقد، وضمانات تطبيق القانون في كافة مؤسسات الدولة دون محاباة، وتحقيق كافة أوجه ومظاهر العدل بين المواطنين، واحترام حقوق الانسان وحقوق الأقليات وحقوق الآخر المختلف معك سياسياً ودينياً، واختفاء الممارسات غير المنصوص عليها في القانون في التعامل مع المعارضين والسجناء، وعدم خلط السياسي بالجنائي في قضايا الرأي، والتعامل بكل حسم مع الخارجين على القانون.
7- إعلاء سلطة الشعب، واحترام حقوقه، والعمل على توفير متطلباته المادية واحتياجاته الروحية والمعنوية، خاصة بعدما ثبت أن الشعب بعد فترة حتى وإن طالت هو الحاضنة الوحيدة لحسم النتيجة في الأزمات بين الحكم وطوائف المجتمع أو بين النظام وجيرانه في الصراعات السياسة أو الحروب العسكرية.
ثم بعد ذلك كله هل يمكن التفكير في اتفاق على سياسة اقليمية بالشرق الأوسط تراعي مصالحه في مواجهة مشروع صهيوني تعمل فيه اسرائيل بكل جدية من 1984 ؟ وهل نجاح المشروع الصهيوني في تحقيق معظم فصوله في تقسيم وتفتيت العراق واليمن وليبيا ولبنان والسودان، وأخيراً سورية يدفع السعودية ومصر للعمل سوياً على إيقافه في اللحاق بهما كما يقول المُخطط الذي اعتمده الكونجرس الأمريكي 1984؟ وهل يتعظ الحكام العرب والمسلمين عامة هذه المرة مما جرى بسورية رغم أن ما جرى فيما قبلها كان كافياً للعبرة والعظة للغاية؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

نُموذج مُشَرِّف: العمدة أشرف عبد الباسط نعيم

كتب سالم سعد: بعد إحالته للتقاعد على رتبة ضابط بالقوات المسلحة وتحديدا بالحرس الجمهوري، مكث في قريته كفر ميت حواي مركز السنطة محافظة الغربية يعتني بأرضه ويشارك في الأنشطة الاجتماعية بالقرية في أفراحها وأتراحها، وكان له الحضور والقبول بين أبناء القرية، فأشاروا عليه -عندما خلا مقعد العمودية- أن يرشح نفسه وبإذن الله ينال الثقة ويقع عليه الاختيار. وبالفعل وقع عليه الاختيار فأصبح عمدة للقرية لمدة خمس سنوات تبدأ من عام 2024م وتنتهي عام 2029م. عن مهام العمدة فى العقد الثالث من القرن العشرين، قال أشرف عبد الباسط نعيم عمدة كفر ميت حواي: عمل العمدة الآن يتمثل في كونه حلقة وصل بين الجمهور والجهات الأمنية لتخفيف الأعباء عن مركز الشرطة بصورة عرفية من خلال الصلح بين المتنازعين واحتواء الخلافات بين الأفراد وبين العائلات. وعن مشروعات البنية التحتية الجاري استكمالها في القرية أكد أنها  تتمثل في الصرف الصحي وتجديد مركز الشباب بأنشطته المتنوعة والذي يخدم قرابة 20 ألف مواطن ومواطنة هم تعداد سكان القرية.