التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ندوة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا تكرم اسم الراحل الدكتور محمد فوزي جاب الله وتدعو إلى الاعتزاز بالتراث الطبي العربي والمصري القديم



كتب عبد الرحمن هاشم:

في أجواء ربيعية مشبعة بحب العلم والوفاء للعلماء احتفلت جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا بيوم المخطوط العربي لهذا العام 2025م بندوة نظمتها بقاعة المؤتمرات يوم السبت 19 أبريل بعنوان "التراث الطبي بين الحضارة العربية والحضارة المصرية القديمة" تحت رعاية السيد الأستاذ خالد الطوخي رئيس مجلس الأمناء والأستاذ الدكتور نهاد المحبوب رئيس الجامعة وبإشراف الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي مدير مركز التراث العربي، ونجحت الندوة في جذب عدد من كبار العلماء في التخصصات العلمية الطبية من الجامعة وخارجها، وكان ضيف الشرف الأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام مفتي الجمهورية السابق الذي تحدث عن الفتاوى الطبية.

 وتعد جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا -بما نشرته من التراث الطبي العربي- رائدة الجامعات المصرية، بل والعربية في هذا المجال.

ومن حسن الطالع أن عنوان الندوة هو المجال الذي ينتمي إليه رئيس الجامعة ومعظم المتحدثين في الندوة.

وأشار الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي مدير مركز التراث العربي إلى أن كتاب "الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية" لابن عمر التونسي، كاد أن يُنسى، لولا أن وفقنا اللهُ تعالى في هذه الجامعةِ، لتكونَ أول من تعرض لإحياء هذا الجهد الكبير الذي يوثق تاريخ الطب في مصر، فعكف عليه الدكتور محمود مهدي بدوي تحقيقا وتكشيفا حتى أخرجه في خمس مجلدات.

ولفت الدكتور الفقي إلى أن كتاب الشذور الذهبية في الألفاظ الطبية فاز سنة 2023م بلقب "كتاب العام التراثي" وقد كُتب باللغة العربية في مرحلة تاريخية مهمة في عهد محمد علي باشا الذي كان يحرص على الأخذ بأسباب الحضارة والمنافسة الحقيقية في جميع المجالات، فتعاون مع فرنسا واستدعى كلوت بك في مجال الطب ليؤسس مع الأطباء المصريين مدرسة الطب بأبي زعبل، وكان من نتائج هذا التعاون تأليف هذا الكتاب العظيم الذي جمع الألفاظ الطبية ونقلها إلى العربية واستعان بعلماء الأزهر ليتأكدوا من صحة المصطلح ودقته.

وتحدث الأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام مفتي الجمهورية السابق والخبير بمركز التراث العربي عن اجتهادات الفقهاء من واقع أرشيف دار الإفتاء المصرية في القضايا والمسائل الطبية كالتشريح والدواء والتداوي والتجميل والإنجاب وإثبات النسب وأطفال الأنابيب والمسئولية الطبية للأطباء وغير ذلك من فتاوى راعت تطور الواقع واستشرفت المستقبل.

أما اللواء الأستاذ الدكتور محمد رضا عوض رئيس الجمعية المصرية والعربية لآلام الظهر، فأوضح في كلمته أن الطب كان أحد أوجه الحضارة الإسلامية خلال الفترة من القرن الثامن الميلادي إلى القرن الخامس عشر الميلادي، بما قدَّمه من منظومة طبية متحضرة وصلت إلى اكتشاف أمراض جديدة، وطرق عدة للكشف الإكلينيكي ومِن ثَمَّ التشخيص السليم، وإنشاء المستشفيات التخصصية وإدارتها، وطرق البحث العلمي في مجال الطب الباطني والجراحة وعلم الأدوية والطب الوقائي، وكلها كانت الأسس التي بني عليها الطب الحديث.

وكما قام أطباء الحضارة الإسلامية بالبحث والتنقيب، والوصول إلى منظومة متكاملة في مجال ممارسة الطب، فإنهم كتبوا الأبحاث العلمية وألفوا الموسوعات الطبية مثل: القانون لابن سينا، وكتاب التصريف للزهراوي، وكتاب الحاوي للرازي، وكتاب الموجز لابن النفيس، وكتاب الأدوية لابن البيطار. كما وضع الأطباء العرب أول أسس وقوانين تحدد علاقة الطبيب بالمرضى وذلك في كتاب "أدب الطبيب" بواسطة العالم ابن الرومي في القرن التاسع الميلادي والذي ذكر فيه أن الأطباء هم حُراس الأرواح والأجساد، وكتب عشرين مقالة في هذا المجال، وكذلك الطبيب علي بن رضوان المصري الذي ألف حوالي مئة كتاب ورسالة في الطب والفلسفة ترجم بعضها إلى اللاتينية، وقد كان طبيبا ذائع الصيت ضمه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله إلى بلاطه واستدعاه حاكم بلوخستان لكي يعالجه.

وفي كلمته أكد الأستاذ الدكتور سمير أديب أستاذ الحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار والإرشاد السياحي أن هناك برديات في الطب من تراث المصريين القدماء تدل محتوياتها على معرفة في هذا العلم أذهلت أئمته في العصر الحديث، لما حوته من النظريات الصادقة، وألوان من العلاج الناجح المبني على ملاحظات واقعية وخبرات عملية وإلمام كبير بالتشريح، ووظائف الأعضاء، وطبيعة الجسم، وأسراره.

أما الأستاذ الدكتور أحمد جميل الشرقاوي أستاذ الجراحة في قصر العيني فقد جاءت كلمته تعليقا على أحد إصدارات مركز التراث العربي الطبية وهو كتاب "الرحلة الوفائية في المدرسة الطبية" لحسين وفائي البغدادي، تحقيق الدكتور محمود مهدي بدوي.

وأشار الدكتور الشرقاوي إلى أن هذا الكتاب كشف عن نظم وإرشادات يمكن أن نستفيد بها في الوقت الحاضر، فحسين وفائي البغدادي طبيب مصري تخرج في المدرسة الطبية في أبي زعبل في عصر محمد علي، وكتب مذكراته واصفا فيها المدرسة الطبية في عصر الخديوي إسماعيل وهي المدرسة التي أعاد تنظيمها فنيا وعلميا الطبيب المصري الجراح محمد علي البقلي وهو الذي جعل جميع أساتذتها من المصريين، وفي عصره أصدر أول مجلة طبية هي "يعسوب الطب"، ودرَّس في هذه المدرسة الدري باشا وعيسى حمدي باشا، والبقلي باشا، وقد سُميت معظم شوارع منطقة العجوزة بالجيزة بأسماء أساتذة هذه المدرسة تكريما لريادتهم للطب في مصر في القرن التاسع عشر الميلادي.

وأكد الدكتور أحمد جميل الشرقاوي أن قسم الأطباء المذكور عن الدكتور البقلي مدير هذه المدرسة الطبية يعد أكثر مثالية عن الموجود حاليا. أما منهج هذه المدرسة الدراسي فهو منهج تاريخي مهم نعتمد عليه في المقارنة بين المنهج القديم والمنهج المعاصر.

وأشار الأستاذ الدكتور محمد فتحي فرج رئيس قسم العلوم الأساسية بكلية طب وجراحة الفم والأسنان في كلمته إلى جهد مركز التراث العربي في تلخيص موسوعة القانون في الطب لابن سينا، وتقديمها للقارئ والدارس العربي في ثوب عصري جديد يسهل معه الوقوف على ما احتوته من ثروة طبية معرفية شاملة.

كما تحدث عن جهود الدكتور محمد فوزي جاب الله في تبسيط القانون قائلا: لما كان الكتاب من الضخامة والسعة بحيث لا يتيسر لعامة القراء والمثقفين التوفر على قراءته ودراسته؛ فقد اقترح أستاذنا الدكتور محمد فوزي جاب الله - رحمه الله – على إدارة المركز ممثلة في فضيلة الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي مدير المركز، تلخيص هذا الكتاب إلى ما يوازي عُشر النسخة الأصلية لتَسْهُل مهمة الاطلاع عليه من قطاع كبير من المهتمين بالتراث العلمي العربي، وفي هذه الحالة يمكن ترجمته استنادا على ما قام به رجل متخصص في العلوم الطبية مِنْ وضعِه للكثير من الألفاظ والمصطلحات الطبية الحديثة باللغة الانجليزية، ترجمة لأسماء ومصطلحات قديمة، يصعب على غير المتخصصين مقابلتَها وتحديدَ معانيها الحديثة.

وأضاف الدكتور فرج: عاش الرجل مع هذا السفر الطبي الجامع وقتا لا بأس به، وتشرب المصطلحات الطبية القديمة، وأعجب بعبقرية الأطباء العرب القدامى وعلى رأسهم ابن سينا؛ ولكل هذا فقد أقدم على هذه المهمة الشاقة، وهي تلخيص هذه الموسوعة الطبية الشاملة، بحماس يغبطه عليه الشباب، وخبرة نادرة في أيامنا هذه التي ينكفئ فيها معظم علمائنا على تخصصاتهم الدقيقة دون الولوج إلى ما سواها من علوم وفنون.

ووفاء للأستاذ الدكتور محمد فوزي جاب الله رحمه الله، قدَّم الأستاذ الدكتور نهاد المحبوب رئيس الجامعة درع الجامعة لأسرة الراحل الدكتور محمد فوزي جاب الله تسلمته ابنته الأستاذة الدكتورة إيناس محمد فوزي جاب الله وأختها الأستاذة الدكتورة إيمان محمد فوزي جاب الله.

وكان لتكريم اسم الراحل الأستاذ الدكتور محمد فوزي جاب الله انعكاسه على الحضور بما لمسوه من إحياء لقيمة الوفاء المتزامنة مع إحياء التراث الطبي؛ ذلك التراث الذي عكف على جزء منه المرحوم الدكتور محمد فوزي جاب الله فخط يمينه قبل رحيله (13 فبراير 2022م) كتاب "تبسيط المفاهيم الطبية في القانون لابن سينا" ثم حرره الأستاذ الدكتور محمد فتحي فرج وصدر في بداية هذا العام عن مركز التراث العربي.

كما قدَّم رئيس الجامعة درع الجامعة للأستاذ الدكتور شوقي إبراهيم علام مفتي الجمهورية السابق والخبير بمركز التراث العربي وفاء لفضله وعلمه وجهوده في جمع وتوثيق وأرشفة الفتاوى الطبية بدار الإفتاء المصرية.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...