التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخرف اختبار للإنسانية… ورعاية المصابين مسؤولية لا تقبل التهاون




 

عبد الرحمن هاشم -

الخرف/الزهايمر مرض يضعف الذهن والجسد ويصيب الحياة الأسرية بالتوتر، وترجع الإصابة به إلى ما فرضته الجينات والهرمونات وتداعيات الشيخوخة. إنه تحدٍ اجتماعي وتحدٍ فردي، لكنه يتطلب استجابة جماعية حكومية واجتماعية ودينية.

وبفضل التوجيه الروحي للإسلام والمسيحية واليهودية، تقع الأمانة على عاتق الجميع تجاه كبار السن وذوي العجز العقلي. وهي مسؤولية نحاسب عليها أمام الناس وأمام الله، هل أديناها أم فرطنا فيها؟ كما تدخل ضمن واجب حماية الكرامة الإنسانية وتخفيف أعبائها.


أسباب المرض: جينية وهرمونية


يتسبب مرض الزهايمر والخرف بنوعيه الوراثي وغير الوراثي، إذ يلعب الاستعداد الجيني (مثل جين APOE ε4) دورًا رئيسيًا. أما الاضطرابات الهرمونية، مثل انخفاض الأستروجين أو التغيرات في هرمون الكورتيزول المرتبط بالتوتر، فتزيد من خطر الإصابة مع التقدّم في العمر.


تكاليف اقتصادية هائلة

تبيّن دراسات متخصصة أن تكاليف الرعاية الشاملة للخرف تتجاوز بأضعاف تكلفة أمراض القلب أو السرطان:



في الولايات المتحدة بلغت تكلفة رعاية مرضى الزهايمر في السنوات الخمس الأخيرة من حياتهم ما يزيد على 287,000 دولار للفرد، مقابل نحو 175,000 مرض القلب و173,000 السرطان.


 على المستوى العالمي، تجاوزت التكلفة 1.3 تريليون دولار عام 2020، مع توقع وصولها إلى 9.1 تريليون دولار بحلول 2050م.


كذلك، تكاليف غير مباشرة مثل فقدان دخل مقدمي الرعاية وعجزهم عن العمل تضاعفت، وقد تصل من 4 إلى 22 مليار دولار بحلول 2060م


وفي ظل عدم توفر شبكة دعم كافية، يقع العبء الاقتصادي والجسدي على مقدمي الرعاية داخل الأسرة، الذين قد يضطر بعضهم لترك وظائف وسبل عيش مستقرة، وكثير من هذه الرعاية التي يقوم بها أحد الأبناء ليس مدفوعًا، أما إذا لم يوجد من يقدم الرعاية من الأبناء لبعدهم عن مكان المريض أو عدم استطاعتهم؛ فإن أسعار مساعدي الرعاية تفوق الساعات العادية، مما يضغط على الأسر ماليًا ونفسيًا.


ضباب الخرف

مع بلوغ سن السبعين وما بعدها، يُصاب البعض بالدخول في مرحلة توصف بـ"ضباب الخرف"، فلا يعرف المريض أو لا يتذكر هل غسل نفسه بعد قضاء الحاجة أم لا، وهل أكل منذ دقائق أم لا، كما لا يتذكر حتى مكان وجوده، وجميع ذلك أعراض تعكس انحدار الحالة الذهنية للمريض.


عِظم وثقل مهمة مقدمي الرعاية

الأبناء يشعرون بثقل المهمة: يتذكّرون بشفقة أمّا باتت تُناشدهم مرارًا تقديم العشاء لها مع أنهم قدموه بالفعل منذ ساعتين، أو لم تعد تعرف ما إذا كانت بالنهار أو بالليل. بالصيف أو بالشتاء. في تحدٍ جسدي ونفسي مستمر، وهم يقدّمون الرعاية بحب وعطف رغم الإرهاق، خشية الزلل أمام تعاليم الله ومن ثم عقاب الضمير.

تروي منى، ربة بيت وأم، كيف اضطرت لترك عملها بسبب التفرغ لرعاية أم زوجها المصابة بالخرف، وذلك بمعاونة زوجها وابنها إذ يقسمون اليوم بينهم لتقديم الرعاية المناسبة.

أما مروة، أرملة موظفة، لكنها ترعى والدها المسن ونظرا لخروجه المتكرر من المنزل وعدم استطاعته العودة فإنها باتت تغلق باب المنزل بالمفتاح، وتخشى الآن أن تتركه بمفرده في الشرفة، ومع ذلك فهي تحمد الله أنه ما زال يستطيع دخول الحمام بمفرده. 

المعايير الدينية في رعاية ذوي الخرف

الإسلام

يضع القرآن رعاية الوالدين فوق العبادات:


"وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…" (الإسراء 17:23)


والرعاية تُعد جهادًا في قول النبي ﷺ:


“هل والداك على قيد الحياة؟… فاجتهد في خدمتهما” (صحيح البخاري)


وقد ورد أنّ عدم رعاية الوالدين الكبار ذنب عظيم:


"رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ" (صحيح مسلم)


المسيحية

توصي الوصية الخامسة في الكتاب المقدس: "أكرم أباك وأمك، لكي تطول أيامك على الأرض" (خروج 20:12).


ويقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى تيموثاوس (5:4): "ولكن إن كان أحد لا يعتني بخاصته، ولا سيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان، وهو أشر من غير المؤمن."


اليهودية

تؤكّد التعاليم اليهودية على قيمة "الكبُود" – الاحترام والتوقير للوالدين، وخاصة عند الكِبَر، كما في سفر الخروج (20:12) والتثنية (5:16):


"كَبِّدْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، لِيَطُولَ عُمْرُكَ عَلَى الأَرْضِ."


وفي التلمود (كِدوشين 31): يُعدّ إهمال الوالدين الكبار خطيئة كبيرة، ويكافأ من يخدمهم حتى في حالات المرض العقلي والنسيان، ويحثّ على تقديم الرعاية الجسدية والنفسية والكرامة للمريض مهما تدهورت حالته.


البوذية

تقوم التعاليم البوذية على الرحمة والرأفة (كارونا ومِتا)، وهي أسس تُلزم الإنسان برعاية الوالدين والمسنين.


في سوتا نيكايا، نجد بوذا يقول:


"من يرعى والدَيه، يرعى البوذا"


وفي التعاليم البوذية التبتية، تُعدّ رعاية المسنين عملًا كَرْمِيًّا صالحًا يعود على صاحبه بالطمأنينة في هذه الحياة والراحة في الحياة المقبلة.


كما تُشجّع البوذية على رؤية الضعف والمرض فرصة للتأمل في عدم دوام الجسد، مما يخلق صبرًا ورحمة في التعامل مع مرضى الخرف.


ماذا نقدر أن نقدم لمقدمي الرعاية؟

دعم اجتماعي: مجموعات دعم وجلسات استشارية منتظمة ترفع من قدراتهم النفسية.


دعم تقني: أجهزة تذكير وتنبيه ذكية تساعد المريض وتخفف العبء عن العائلة.


دعم عملي: إجازات مدفوعة لمقدمي الرعاية، وتقوية خدمات الرعاية المنزلية المدعومة حكومياً.


دعم مالي: حوافز ضريبية ومساعدات مالية مباشرة تحدّ من التأثير الاقتصادي المدمّر.

وفي الختام، يمكننا القول إن مرض الخرف اختبار حقيقي لإنسانيتنا، ومقدمو الرعاية هم الجنود المجهولون الذين يستحقون دعمًا لا يقل عن دعم الأطباء أو الجنود في الميدان.

المصادر:

  • WHO Alzheimer’s Disease Facts

  • Alzheimer’s Association Annual Report

  • مجلة نيو انجلند جورنال أوف ميديسن 2013م 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...