التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في بيتنا مراهق.. كيف نعبر العاصفة بسلام؟

 


بقلم/ أ.د. سهير صفوت

هل المراهق شخص كبير يتحمل المسؤولية في الأسرة، أم أنه صغير لا يزال بحاجة إلى قبضة الأبوين ورعايتهما؟
سؤال مربك يتردد في أذهان كثير من الآباء والأمهات، إذ يُقال إن أصعب مهمة في الحياة هي أن تكون أبًا أو أمًّا، خصوصًا عندما يدخل الأبناء مرحلة المراهقة، حيث يبلغ الآباء ذروة اختبارهم في الصبر والحكمة.

تقول إحدى الأمهات في حيرة:

"أشعر أن أولادي تغيّروا فجأة، لم يعودوا كما كانوا وهم صغار. أصواتهم ترتفع عليّ، يعاندون، يرفضون ما كانوا يحبونه، يضحكون فجأة ويبكون بلا سبب، أصدقاؤهم صاروا كل حياتهم... حتى الصلاة بدأوا يتكاسلون عنها، وملابسهم تغيّرت، وأنا خائفة عليهم من زمن لم يعد فيه ثوابت".

وتضيف أخرى:

"ابني صار عصبياً، ينام نهارًا ويسهر ليلًا، يصرخ ويغضب لأتفه الأسباب، لا أعرف كيف أتعامل معه!".

تلك الأصوات ليست غريبة، بل هي صدى لمعاناة تعيشها معظم الأسر حين يدخل أحد أبنائها مرحلة المراهقة، تلك المرحلة التي وصفها الفلاسفة منذ قرون بأنها "العاصفة التي تسبق الهدوء".

يقول "جان جاك روسو":

"هدير الأمواج الذي يسبق العاصفة، هكذا تأتي همسات التغير في المراهقة، نوبات من الغضب والتمرد، كأن الولد خارج سيطرتنا".

ويضيف:

"يصرخ المراهق من أعماق قلبه: وداعًا أيتها الطفولة! ثم يُفاجأ بمن يعامله كطفل، فيثور ليُثبت أنه أصبح راشدًا، بينما يُثقلونه بمسؤوليات لا طاقة له بها".

مرحلة البحث عن الذات

المراهقة ليست مجرد تغيّر في الشكل أو المزاج، بل هي رحلة بحث عميقة عن الهوية.
يسأل المراهق نفسه: من أنا؟ ماذا أريد أن أكون؟ ما هي القيم التي سأعيش بها؟
إنها مرحلة بناء الشخصية الجديدة، واستقلال الذات عن سلطة الأسرة، وفي الوقت نفسه، مرحلة حاجة إلى الحب والاحتواء لا إلى السيطرة والاتهام.

وعندما يرفض الأبوان هذا الانفصال الطبيعي، ويتشبثان بالتحكم والسيطرة، يتحول الأمر إلى صراع مرير، يضيع فيه الحوار، وتُهدم جسور الثقة.
أما حين يتحلى الأبوان بالصبر والمرونة، ويتعاملان مع أبنائهما بالاحترام والثقة، تمرّ العاصفة بسلام.

كيف نحتوي المراهق؟

  • كن صديقًا قبل أن تكون آمرًا. لا تعامل ابنك كجندي يتلقى الأوامر، بل كصديق تحتاج إلى كسب ثقته.

  • اضبط انفعالك. لا تدخل في صراع صوتي معه، فالمراهق بطبعه انفعالي، وصراخه لا يحتاج إلى صراخ مضاد.

  • افصل بين الشخص والسلوك. قل له: "أنا أحبك، لكن لا أحب هذا التصرف"، فالمراهق يحتاج أن يشعر أن الحب ثابت حتى في لحظات الخطأ.

  • استبدل السؤال "لماذا؟" بـ"كيف؟" فـ"لماذا" تستفز وتدفعه للدفاع، أما "كيف فعلت؟" فهي مدخل للتفاهم.

  • كن واضحًا وموجزًا. المراهق لا يحب التعليمات الطويلة والمواعظ.

  • ضع قواعد واضحة للبيت، مع التزام الجميع بها دون استثناء.

  • ازرع الثقة والمدح، فكل كلمة إيجابية تُنمّي بداخله احترامه لذاته.

  • دع له مساحة للاختيار، مع توضيح العواقب، ودعه يتحمل النتائج.

  • استخدم الإقناع بدل الترهيب، والمرونة بدل التسلط، فالتسلط لا يولّد إلا التمرّد.

الرسالة الأخيرة

ليست المراهقة مرحلة تمرد بقدر ما هي مرحلة نضوج متدرّج، تحتاج إلى صدور رحبة وآذان صاغية.
الابن لا يبحث عن عدو في والده، بل عن سندٍ يستوعب خوفه من العالم الجديد.
والمراهق لا يريد أمًّا تُلقي عليه الأوامر، بل أمًّا تمنحه الأمان حين يختبر نفسه وأخطاؤه.

فلتكن بيوتكم مدارس للحوار، وموانئ للرحمة، حتى تمرّ عاصفة المراهقة وتخلف وراءها شبابًا ناضجًا يعرف من هو، ويعرف إلى أين يمضي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...