التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ذكرى الإمام عبدالحليم محمود



بقلم: د. وليد الإمام مبارك


في السابع عشر من أكتوبر تحل ذكرى رحيل الإمام الأكبر عبدالحليم محمود، شيخ الأزهر الشريف، العارف بالله، وشيخ المتصوفين في القرن العشرين، الرجل الذي جمع بين العلم والحال، وبين الشريعة والحقيقة، فكان إمامًا في الفقه والفكر، ووليًّا في السلوك والروح.


كان عبدالحليم محمود مثالًا للزهد والعلم والعمل، عُرف بسمته وورعه وتواضعه، محبًّا للفقراء، قويًّا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، اتسمت مشيخته للأزهر بالعزة والصلابة في الدفاع عن الدين، فكان حقًا إمامًا للأمة، وعالمًا ربانيًا.


طفولة ونشأة


وُلد الإمام عبدالحليم محمود عام 1910 بقرية أبو أحمد بمحافظة الشرقية، وتلقى تعليمه بالأزهر حتى نال العالمية، ثم أوفد في بعثة إلى فرنسا حيث درس الفلسفة وتاريخ الأديان، وتوّج دراسته بالحصول على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون عن رسالته الشهيرة «التصوف الإسلامي عند الحارث المحاسبي»، التي عُدّت من أهم الدراسات المقارنة بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي في مجاله.


موقف لا يُنسى في فرنسا


تُروى عنه قصة تجلّت فيها عفته وإيمانه، إذ عندما اقترح أحد أساتذته في فرنسا أن تُدرّسه فتاة اللغة الفرنسية في غرفته درسًا بدرس، ارتبك الإمام واعتذر بأدب جمّ، قائلًا: «إنني لم أستقر بعد في غرفة مناسبة»، ثم غادر المعهد وهو يغمره الحياء والعرق، وابتعد عن ذلك المكان ستة أشهر حتى أتقن اللغة بطريقة أخرى. كان ذلك الموقف شاهدًا على نقاء سريرته وقوة ضميره، وهو شاب غريب في بلاد الغرب.


بشارة النصر في حرب أكتوبر


من المواقف المضيئة في حياته، أنه قبيل حرب رمضان المجيدة عام 1973 رأى في المنام رسول الله ﷺ يعبر قناة السويس ومعه الجنود والعلماء، فاستبشر خيرًا وأخبر الرئيس السادات بالبشارة، مطمئنًا إياه بالنصر.

وفي خطبته الشهيرة من فوق منبر الأزهر قال:


> «إن حربنا مع إسرائيل هي حرب في سبيل الله، ومن مات فيها شهيد فله الجنة، ومن تخلّف عنها فقد خسر دينه ودنياه.»




لقاءه مع الإمام الشعراوي


يروي الشيخ محمد متولي الشعراوي أنه سافر مع الإمام عبدالحليم محمود إلى لندن لحضور مؤتمر، وبعد يومين قال له الإمام:


> «يا شيخ شعراوي، نريد بعد انتهاء المؤتمر أن نذهب إلى العمرة لنجلي أنفسنا.»

فقال له الشعراوي مازحًا: «أليس ربنا قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ؟»

فضحك الإمام ضحكة تملؤها الوقار، وقال: «لكن نريد أن نبتعد عن رائحة المعصية!»

وفي تلك الليلة، اتصل الإمام بالشعراوي في الفجر قائلًا بفرح:

«يا شيخ شعراوي، رأيت الليلة سيدنا رسول الله ﷺ!»

فقال له الشعراوي: «ألم أقل لك إن الفيوضات تأتي في الأماكن التي يذكر فيها الله رغم كل شيء.»




الإمام الصوفي المصلح


كان الإمام عبدالحليم محمود من رواد التجديد الديني في العصر الحديث، دعا إلى إحياء التصوف الأصيل الذي يجمع بين العبادة والعلم، ويربط بين القلب والعقل، بعيدًا عن البدع والانحرافات. وقد ألّف عشرات الكتب التي تُعد من أعمدة المكتبة الصوفية والفكر الإسلامي الحديث، منها: المدرسة الشاذلية الحديثة، قضية التصوف، الفكر الصوفي في الإسلام، والتوحيد.


رحيله


رحل الإمام في فجر يوم الثلاثاء 15 ذو القعدة 1397هـ الموافق 17 أكتوبر 1977م، بعد حياةٍ ملأى بالعلم والجهاد الروحي والفكري، تاركًا وراءه إرثًا خالدًا من الحكمة والصفاء والإيمان.


> رحم الله الإمام عبدالحليم محمود، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل مثواه الفردوس الأعلى مع الصديقين والصالحين.





 المراجع والمصادر


1. عبدالحليم محمود، التصوف الإسلامي، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1974م.



2. عبدالحليم محمود، قضية التصوف: المدرسة الشاذلية الحديثة، دار المعارف، 1976م.



3. محمد رجب البيومي، النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، دار القلم، 1987م.



4. محمود جامع، كيف عرفت السادات؟، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1980م.



5. أحمد عمر هاشم، من أعلام الدعوة والإصلاح في العصر الحديث، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1995م.



6. حوار جريدة الوفد مع الشيخ أحمد ربيع الأزهري، الخميس 16 أكتوبر 2025م.



7. محمد متولي الشعراوي، خواطر حول سير العلماء المعاصرين، دار المعارف، القاهرة، 1990م.



8. الموقع الرسمي للأزهر الشريف، تراجم شيوخ الأزهر.



9. الأرشيف التاريخي لجريدة الوفد، في ذكرى وفاة شيخ المتصوفين الإمام عبدالحليم محمود، عدد 17 أكتوبر ٢٠٢٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...