التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة الحذاء إلى عالم الاقتصاد


 

بقلم أ.د. عزة شبل محمد

أستاذة اللغويات بكلية الآداب في جامعة القاهرة بمصر

وأستاذة اللغويات بكلية الدراسات الأجنبية في جامعة أوساكا باليابان

عرفت الحضارة الفرعونية القديمة ارتداء الحذاء منذ أكثر من حوالي 3000 سنة، وتعددت أشكاله، وألوانه. ارتبط وجود الحذاء في الحضارات المختلفة بسياقات ثقافية وحضارية عديدة، فقد لعب دوره في الحضارة الفرعونية، لارتباطه بحياة الملوك؛ تعبيرًا عن مكانتهم الاجتماعية، فكانت الملكات ونساء الطبقة الراقية ترتدين الأحذية أو الصنادل المذهبة والمزركشة؛ كمظهر من مظاهر الزينة وتعبير عن الفخامة والجمال.

ارتدى المصري القديم الأحذية المصنوعة من الجلد والكتان، وسعف النخيل، وارتدى الملوك الأحذية المزخرفة بالخيوط الذهبية، والأحجار الملونة، والنقوش، وقد عثر في بعض المقابر الفرعونية على أحذية من الذهب الخالص، وتظهر بعض الرسومات الفرعونية أن الأحذية كانت تُستخدم كجزء من الطقوس الجنائزية، برمزيتها للرحلة والعبور إلى العالم الآخر. أما الكهنة في المعابد، فقد كانوا يمشون حفاةً، علامة على الطهارة، واحترام قدسية المكان.  

صناعة القباقيب في مصر

تزخر المتاحف الفرعونية بالعديد من أنواع الأحذية، وأشكالها التي كانت تستخدم في الحياة العامة، ويرتديها الجنود في الحروب، وتلك التي يرتديها الملوك، وتتزين بها الملكات، ثم تطورت صناعة الأحذية والصنادل والنعال على مر العصور، وكان منها "القبقاب"، وهو حذاء مصنوع من الخشب، يُربط بالقدم عن طريق سيور الجلد أو القماش، وربما ترجع هذه التسمية إلى دلالة الكلمة على ترديد الصوت، على سبيل المحاكاة.

 وقد ارتبطت القباقيب بصورة كبيرة في العصر اللملوكي بالحمامات العامة، لحماية القدم من الماء، ومن الاتساخ. وتعد صناعة القباقيب في مصر من أقدم الحرف اليدوية التراثية، التي على الرغم من انقراضها بمرور الوقت مع تطور المجتمع ومضيه نحو التكنولوجيا والحداثة، فإنَّ بعض الحرفيين  في القاهرة القديمة، وشارع المعز ما زالوا حتى الآن يصنعون القباقيب بألوانها الزاهية للزينة كهدايا تراثية.

أشهر قبقاب في التاريخ الشعبي

ومن القصص الشعبية الطريفة التي مزجت التاريخ بالخيال، نجد أشهر قصة قبقاب في التاريخ الشعبي، وهي قصة "قبقاب شجرة الدر". وشجرة الدر جارية تركية الأصل، قد اشتراها الملك الصالح نجم الدين أيوب، آخر ملوك الدولة الأيوبية في مصر، ثم اعتقها وتزوجها، وأصبحت ملكة على مصر بعد وفاته. وقد عُرفت بذكائها وحكمتها وشجاعتها؛ لذلك نُسِجت حولها العديد من الأساطير والقصص الشعبية، نجدها في" كتاب ألف ليلة وليلة"، وفي المخيلة الشعبية التي أصبحت مادة للأعمال السينمائية فيما بعد، كما في فيلم" وإسلاماه" عام 1961م، ومشهد ضرب الزوجة  الأولى للأمير عز الدين أيبك "أم المنصور" الذي جسدته الفنانة "نعيمة وصفي"، للملكة" شجرة الدر" التي كانت تقوم بأداء دورها الفنانة "تحية كاريوكا". وهو فيلم مأخوذ عن الرواية التاريخية "واإسلاماه" لعلي أحمد باكثير عام 1945م. ويظل للحذاء قيمته الرمزية في الوعي الجمعي، إلى جانب استخدامه في الأمثال الشعبية، ولعل أشهرها "رجع بخفي حنين" الذي يُضرب للدلالة على الإخفاق أو الفشل في أمر ما.

الفوائد الطبية لارتداء الحذاء

وعلى الرغم من تلك الرحلة للحذاء ما بين التاريخ القديم، والثقافة الشعبية، يظل لارتداء الحذاء أهميته من الناحية الطبية؛ حيث يحمي القدم من التعرض للإصابة والجروح والحروق، والتعرض للبكتيريا والفطريات. ومع تطور صناعة الأحذية، أصبح هناك الأحذية الطبية المصنوعة خصيصًا للتقليل من آلام القدم والمفاصل أثناء عملية المشي، وأخذت الصناعة شكلاً آخر من أشكال التخصيص، فصار منها الأحذية الطبية، والأحذية الرياضية، وأحذية المناسبات والسهرات، وأحذية العمل الرسمية، ناهيك عن اختلاف خامات الصنع، وأشكال الأحذية المخصصة للرجال، والنساء، والأطفال.

وما زالت البيئات الريفية في مصر تحرص على خلع الأحذية خارج المنزل عند العودة إليه؛ للشعور بالراحة، والمحافظة على نظافة المنزل، شأنها شأن المدن، وإن كان الأمر يختلف قليلًا في المدن، حيث يخلعون الأحذية داخل البيت، وليس خارجه، بتأثير اتساع المكان، ومراعاةً للخصوصية، أو للخوف من اللصوص، أو اختلاط المتشابهات، على خلاف القرية التي يعرف الناس فيها بعضهم البعض عن قرب. 

خلع الحذاء في الثقافة اليابانية

لا يعدُّ خلع الحذاء عند دخول المنزل، أو بعض الأماكن العامة مجرد عادة يومية في اليابان، وإنما هي ثقافة روحية؛ تعبر عن احترام اليابانيين للمكان، واحترامهم لأصحابه. فاليابانيون يحرصون على نظافة منازلهم، وأماكن العمل، والأماكن العامة بصورة ملحوظة. وخلع الحذاء يسهم في عدم انتقال الأتربة والميكروبات من خارج المنازل إلى داخلها؛ مما يجعلها نظيفة خاليّة من بعض مسببات الأمراض.

ولا تقتصر عادة خلع الحذاء على أماكن العبادات كالمعابد فقط، وإنما نجدها أيضًا داخل المنازل والشركات، وأماكن العمل، حيث ترتبط هذه العادة اليومية بنظافة المكان. وهي في حقيقتها ثقافة تعبر عن احترام الشخص وتواضعه مع الأشخاص الذين يقطنون المكان، لذلك فجميع أفراد الأسرة، والضيوف، والعمال الذين يقومون بأعمال الصيانة يخلعون أحذيتهم قبل الدخول إلى المنزل، ويمكنهم الاستعانة بحذاء داخلي خفيف، أو الاكتفاء بارتداء جورب.

ولقد تجذرت ثقافة الاحترام في اليابان حتى أصبح احترام المكان جزءًا لا يتجزأ من منظومة ثقافة احترام الأشياء والطبيعة والعادات والتقاليد والتاريخ؛ للمحافظة على هويتهم. فاليابانيون يقدرون الأماكن الخاصة، والأماكن العامة، والأماكن الدينية كالمعابد؛ لذلك يخلعون أحذيتهم قبل الدخول إليها؛ احترامًا لقدسيتها. وهي في ذلك تشترك مع ثقافة المجتمعات الشرقية، حيث يتم خلع الحذاء عند دخول المساجد، علامة على احترام المكان المقدَّس، والتواضع والخشوع في بيوت الله المخصصة للعبادة، اقتداءً بما ورد في قصة سيدنا موسى عليه السلام، بقوله تعالى: "إني أنا ربُّك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى" (طه/12). فخلع الحذاء علامة على الطهارة، والاستعداد للقداسة، ومن ثم فإنه ليس مجرد فعل مادي، وإنما هو رمز للخشوع، وارتباط الطهارة الجسدية بالطهارة الروحية.

نخلص من هذا إلى فكرة مؤاداها أن ثقافة خلع الحذاء قد ارتبطت في العديد من الثقافات  بالاحترام والنظافة، والمحافظة على الصحة العامة، والرغبة في عدم نقل الأمراض والجراثيم من الخارج إلى البيت. وإذا تأملنا تلك الفكرة، سنجد أن لها تأثير كبير على الاقتصاد؛ حيث إن نقل الجراثيم والأوبئة العالقة بالأحذية يتسبب في إحداث بعض الأمراض لأفراد الأسرة. فقد يُصاب البعض بأمراض جلدية، أو قد تنتشر أمراض العيون، أو قد تحدث بعض الأمراض المعدية الناتجة عن التلوث، أو غيرها من الأمراض. ولا شك أن انتشار مثل تلك الأمراض في المجتمع يستلزم وجود وفرة من الأطباء في تخصصات عدة، لتوافد المرضى على العيادات والمستشفيات، كما أنه يستوجب توفير الاحتياجات اللازمة من الأدوية، وهو ما يستنفذ الوقت والجهد وميزانية كبيرة لبناء المستشفيات والعيادات، ودفع أجور الأطباء والعاملين، وتوفير الأجهزة الطبية، والأدوية اللازمة. ومن ثم، فإن هذا كله بلا شك يستقطع جزءًا من ميزانية الدول، ويؤثر على اقتصادها، الأمر الذي يمكن تجنب قدر كبير منه، عن طريق تلك العادة اليومية البسيطة، وهي عادة خلع الحذاء؛ لذلك فعادة ما نجد رفًّا مخصصًا للأحذية عند مداخل المنازل، أو المكاتب أو الشركات، أو العيادات، ويتم خلع الحذاء، وارتداء آخر داخلي، واصبحت عادة خلع الحذاء ضرورة معرفية.

 وستظل رحلة  الحذاء مستمرة عبر التاريخ في التطهر من المادي إلى الروحي، ومن التاريخي إلى الشعبي، داخل سياقاتها الحضارية، ووسيلة ناعمة غير مباشرة لحماية الاقتصاد.      

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...