التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صباحٌ بائس



بقلم/ د. نجلاء الورداني


لا يبدأ الصباح دائمًا كما تشتهيه الأنفس. فهناك صباحات لا تحمل معها وعدًا بالصحو والانفراج، بل تأتي مثقلةً بغيومٍ خفية تسكن الصدر قبل أن تستقر في السماء. صباح بائس، يستيقظ فيه الإنسان لا لأنّه شبع نومًا، بل لأنّ القلق سبقه إلى اليقظة، فطرق رأسه قبل عينيه.

في هذا الصباح، يبدو الزمن ثقيلاً. عقارب الساعة تتحرك ببطءٍ مستفز، وكأنها تتعمّد تذكيرنا بأن اليوم طويل، وأن ما ينتظرنا أثقل من قدرتنا على الاحتمال. القهوة تفقد طعمها المعتاد، لا مرارة فيها سوى مرارة التفكير، ولا دفء يمنح الطمأنينة، بل لحظة صمت نحدّق فيها في الفراغ.

الشوارع في صباحٍ بائس تبدو أقل حيوية، حتى وإن ازدحمت بالناس. الوجوه عابسة، والخطوات متسارعة، وكلٌّ يحمل همّه في حقيبة غير مرئية. تتقاطع الأجساد دون أن تتقاطع الأرواح، فالجميع حاضر بالجسد، غائب بالروح، منشغل بمعركة داخلية لا يراها أحد.

أما النفس، فتكون أكثر هشاشة. أبسط التفاصيل تتحول إلى عبء: صوت المنبّه، ضجيج الطريق، رسالة عابرة، أو ذكرى قديمة تستيقظ فجأة دون استئذان. في صباح كهذا، نشعر بأننا نجرّ اليوم خلفنا جرًّا، لا نمشي إليه بثقة بل نتعثّر نحوه.

ومع ذلك، ورغم قسوته، يحمل الصباح البائس درسًا خفيًا. فهو يذكّرنا بإنسانيتنا، بضعفنا المتوارث، وبأن الحزن ليس عيبًا بل حالة عابرة. فكما يأتي الصباح محمّلًا بالبؤس، قد يحمل المساء بعض السكينة، وقد يتسلل الأمل بهدوء في لحظة غير متوقعة، وسبحان مَنْ يُغَيِّر ولا يتغيّر.

إن صباحا بائسًا يصيبك -نجانا الله وإياك- اعلم أن (صفته) لا تستمر لنهاية اليوم، بل بدايته المتعثّرة فقط. وربما يكون اعترافنا بثقله هو أول خطوة لتجاوزه، فحتى أكثر الصباحات قتامةً لا تستطيع أن تمنع الشمس من الظهور، ولو بعد حين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...