بقلم د. نجلاء الورداني
مع اقتراب منتصف ليلة رأس السنة، بدت الأهرامات مضاءة على نحوٍ استثنائي، فيما جلست هناء تراقب المشهد في صمتٍ تأملي. كان الضوء ينساب على الأحجار العتيقة كأنه يوقظ ذاكرة التاريخ، ويهمس بأن ما صمد عبر آلاف السنين لا يفقد معناه، بل يزداد رسوخًا.
على الطاولة الصغيرة، استقر دفترٌ قديم اعتادت هناء أن تعود إليه مع نهاية كل عام، لا لتعدّ ما مضى من أيام، بل لتفهم ما تركه الزمن في داخلها. تقلّبت الصفحات، وتعاقبت الأعوام، وبقي الغياب حاضرًا بثقله الهادئ… غياب الأم، الذي لم يختفِ، بل تغيّر شكله.
وفي لحظة سكونٍ عميق، حضرت خاطرة لم تكن صوتًا يُسمع، بل إحساسًا صافياً استقر في القلب، كأن روحًا مألوفة تهمس:
“يا هناء، لا تخافي من مرور الوقت، فكل ما كان صادقًا لا يفنى. كوني ثابتة كالأهرامات، واتركي للسنين أن تمر، فلن تأخذ منك ما هو حقيقي.”
انسابت دمعةٌ هادئة، لم تكن حزنًا خالصًا، بل اعترافًا بالطمأنينة. شعرت هناء أن الغياب ليس نهاية، بل حضورٌ آخر، أكثر عمقًا وأقل وجعًا، وأن الأم لم ترحل بقدر ما انتقلت إلى موضعٍ أصدق في القلب.
في الخارج، تصاعد العدّ التنازلي، ومع كل رقم كانت الأضواء تعانق الأهرامات أكثر، كأن التاريخ يمنح الحاضر شرعيته. وحين دوّى الصفر، وانطلقت الألعاب النارية في السماء، أدركت هناء أن الزمن لا يمحو الذاكرة، بل يعيد ترتيبها داخلنا.
فتحت الدفتر وكتبت:
“هذه سنة أختار فيها الثبات لا التشتت، والرجاء لا اليأس، وأحمل أمي في قلبي كما تحمل الأهرامات سرها.”
وهكذا بدأ العام الجديد، لا كقطيعة مع الماضي، بل كامتدادٍ لمعنى أعمق؛ معنى الأمل، والتصالح مع الغياب، والإيمان بأن بعض الروابط—مثل الأهرامات—تتجاوز الزمن لكنها لا تغيب.
تعليقات
إرسال تعليق