التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرح المبتور


بقلم د. نجلاء الورداني

كانت كلما مدّت يديها للفرح، سحبها القدر من طرف خفي.

كأن الفرح خُلِق لها مبتورًا، أو كأنها خُلِقت لتتعلم كيف تبتسم للوجع.

يوم تخرجها، وقفت بين زميلاتها ترفع شهادة عمرٍ من التعب. كانت تفتش بعينيها عن أبيها، عن نظرته التي كانت تُغنيها عن كل تهنئة. لكنه رحل في نفس اليوم، كأن الفرح لا ينبغي أن يكتمل بحضوره. صار التخرج بالنسبة لها ذكرى باهتة، يتغلل فيها الحزن.

وحين جاء يوم مناقشة رسالتها العلمية، لبست ابتسامتها كما تلبس الدرع. كانت القاعة مليئة بالتصفيق، لكنها كانت تسمع في قلبها نداءً آخر. قبل أن تعود إلى بيتها، كان خبر الموت قد سبقها. رحل أحد أهلها، وسقط الفرح من يدها مرة أخرى، ككأس زجاجية لا تتعلم كيف تُمسك.

في يوم زفافها الأول، ارتدت فستانًا أبيض، لكنه لم يكن ناصعًا كما ينبغي. قبل أن تنتهي الزغاريد، انكسر الحلم سريعًا، وخرجت من التجربة بيدٍ فارغة وقلبٍ مثقوب. قالت لنفسها: ربما لم يكن هذا نصيبي.

وفي المرة الثانية، دخلت الفرح بحذر وتوجس، كمن يختبر أرضًا مُلغمة. وحين حاولت أن تصدق أنَّ هذه المرة مختلفة، بُتِرَ الفرح مرة أخرى، وكأنَّ الفرح عندها لا يطيل الجلوس.

أما الثالثة، فلم تبكِ كثيرًا. كانت قد تعلمت أن تُجفف دموعها مبكرًا؛ إذ يبدو أنَّ الطلاق قد صار "توقيعًا" ثابتًا على أفراحها.

وحين عُيّنت في الجامعة، أخيرًا، شعرت أن الله رد لها بعض ما انكسر. جلست تبكي فرحًا لأول مرة بلا خوف. لكنها لم تكمل بكاءها؛ الأم رحلت. الأم التي كانت آخر شاهد من أهلها على وجعها ذاك الطويل.

بُتِرَ الفرح مرة أخيرة، أو هكذا ظنت.

اليوم، لم تعد تنتظر الفرح كما ينتظره الآخرون. صارت تستقبله ببرود، بلا لهفة، بلا دهشة. تعلمت أن الفرح لا يُقاس بطوله أو عرضه، بل بقدرته على المرور دون أن يقتلنا.

بصمتٍ أعانها على السكينة، وبقلبٍ عرف الله جابر المنكسرين تعلمت كيف تثبت.

كانت امرأة من زجاج، نعم، لكنها تجاوزت الانكسار..

كانت كل مرة تُجمع شظاياها، وتواصل الحياة…


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...