بقلم د. نجلاء الورداني
كانت الأم تجلس كل صباح عند النافذة نفسها، لا تنتظر أحدًا، لكنها اعتادت أن تفتح القلب كما يُفتح الشباك للضوء.
خمسة كراسٍ صغيرة بقيت في الذاكرة، رغم أن الغرفة لم يعد فيها سوى الصمت.
لم تُزَح الألعاب، ولم تُطوَ الملابس، كأن الزمن خجل أن يلمس ما مسّه الحب.
مات أطفالها الخمسة، ولم تمت هي.
هكذا قالت الجارات، لكن الحقيقة أنها ماتت مرات، ثم تعلمت كيف تعود.
لم تكن تبكي كثيرًا؛ الدموع نفدت مبكرًا، وحلّ محلها حزن هادئ، حزن يشبه صلاة طويلة بلا كلمات.
كانت تُعدّ الخبز كما لو أنهم سيعودون جائعين، وتغلق الباب بهدوء حتى لا تُوقظ أحدًا.
تنادي أسماءهم في قلبها، لا بصوتها، لأن القلب وحده يعرف أنهم ما زالوا يسمعون.
تعلمت أن الفقد لا يعني الغياب، بل يعني أن الحب صار أثقل من أن يُحتمل.
وحين يسألها الناس: كيف صبرتِ؟
تبتسم ابتسامة مكسورة وتقول:
— لم أصبر… أنا فقط سلّمت.
في المساء، كانت ترفع يديها إلى السماء، لا تطلب شيئًا، فقط تشكر الله أنه اختارهم خفافًا، وأنه ترك لها ما يكفي من الوجع لتبقى إنسانة. عرفت أن الأمومة لا تنتهي بالموت، وأن القلوب التي تنبض حبًا لا تُفلس أبدًا.
رحل الأطفال، وبقيت أمّهم شاهدة على أن الفقد قد يكسر الظهر، لكنه لا يكسر الروح التي تعلّمت أن تحب دون مقابل.
تعليقات
إرسال تعليق