بقلم د. نجلاء الورداني
لم يكن القبر هو ما أخافه…
بل الصمت الذي سبقه.
وقف الأب عند حافة الحفرة، والسلاسل ما زالت تلتفّ حول معصميه كأنها لم تعد عقوبة، بل اعترافًا متأخرًا. كان التراب رطبًا، والسماء منخفضة، وكأنها تُنصت لما لم يُقال طوال عامٍ كامل.
عامٌ كانت فيه الطفلة تنظر إلى المائدة الخالية، لا تسأل، ولا تبكي.
كانت تظنّ أن الصبر فضيلة، وأن الجوع امتحان، وأن الأب لا يخطئ.
قالوا له: لماذا؟
فلم يجب.
لم يكن وحشًا، ولا فقيرًا معدمًا.
كان قاسي القلب حين أقنع نفسه أن الحرمان تربية، وأن القسوة عدل، وأن السيطرة حقّ.
عامٌ كامل وهو يزن الأمور بميزانٍ مكسور:
يُكثر العقاب… ويُقلل الرحمة.
في الصورة، كانت هناك كفّة ميزانٍ ذهبية، لامعة، لكنها معلّقة في الهواء، بلا توازن.
العدل لم يسقط فجأة، بل تآكل ببطء.
الطفلة لم تمت جوعًا فقط،
ماتت لأن أحدًا لم يرَ فيها إنسانة كاملة،
بل عبئًا،
أو درسًا،
أو خطأً يجب تقويمه بالقسوة.
وحين انتهى العام،
لم يبقَ ما يُقوَّم.
جلس الأب بعد الدفن، والدموع أخيرًا وجدت طريقها، لكنها جاءت متأخرة، ثقيلة، بلا خلاص.
كان يبكي نفسه أكثر مما يبكيها،
يبكي الأبوة التي سقطت،
واليد التي لم تمتدّ في الوقت المناسب.
أما هي…
فنامت أخيرًا،
بعيدًا عن الحرمان،
بعيدًا عن الميزان المختلّ.
وفي الأفق، كانت العدالة تنتظر،
صامتة،
لا تبتسم،
ولا تنسى.
تعليقات
إرسال تعليق