التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أهل الكهف.. جرأة سينمائية


بقلم د. نجلاء الورداني

يمكن مقاربة فيلم (أهل الكهف) بوصفه نصًا سوسيولوجيًا بصريًا يعالج إشكالية الانفصال الزمني باعتباره انكسارًا بنيويًا في منظومات القيم والانتماء والسلطة، حيث يتحول الزمن من إطار محايد للأحداث إلى قوة اجتماعية فاعلة تُعيد تشكيل موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية.

* الزمن كفاعل اجتماعي

يُجسّد الفيلم مفهوم الزمن بوصفه فاعلًا اجتماعيًا قاهرًا يعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأنماط الوعي. فاستيقاظ أهل الكهف في مجتمع مغاير يكشف عن حالة من الصدمة الحضارية، حيث تفقد الشخصيات القدرة على تفسير الرموز والمعايير السائدة. هذه الصدمة لا تنبع من اختلاف مادي فقط، بل من انهيار المعاني التي كانت تمنح الفعل الاجتماعي مشروعيته، وهو ما يجعل الزمن أداة إقصاء اجتماعي لا مجرد تحوّل تاريخي.

*الاغتراب الاجتماعي

يعكس الفيلم حالة الاغتراب كما صاغها كارل ماركس، ولكن بصيغة وجودية–اجتماعية؛ إذ تعاني الشخصيات من اغتراب عن المجتمع الجديد، وعن القيم السائدة، بل وعن ذواتها التي لم تعد صالحة للاشتغال داخل الواقع الراهن. فهم لا يُنظر إليهم كذوات فاعلة، بل كـ «بقايا زمنية» أو آثار تاريخية، ما يعيد إنتاج موقعهم بوصفهم عناصر هامشية خارج الفعل الاجتماعي المؤثر.

*الأنوميا والتحلل القيمي

من منظور دوركايمي، يُجسّد الفيلم حالة الأنومي (اللامعيارية)، حيث تفقد القواعد الاجتماعية القديمة صلاحيتها دون أن تتمكن الشخصيات من استيعاب القواعد الجديدة. هذا الفراغ القيمي يُنتج حالة من الارتباك والقلق الاجتماعي، ويُبرز هشاشة التوازن بين الفرد والمجتمع عندما يحدث التحول بوتيرة أسرع من قدرة الأفراد على التكيف.

تحولات السلطة والشرعية

يطرح الفيلم، بشكل ضمني، سؤالًا مركزيًا حول نسبية السلطة الاجتماعية. فمصادر الشرعية التي كانت تمنح الأفراد مكانتهم في الماضي (الدين، النسب، البطولة، القيم الأخلاقية) لم تعد فاعلة في الحاضر. وهنا يتجلى التحول البنيوي في أنماط الهيمنة، حيث تُعاد صياغة القوة وفق منطق اجتماعي جديد، لا مكان فيه لمن لم يشارك في إنتاجه.

الدين كنسق اجتماعي 

لا يتعامل الفيلم مع الدين كعقيدة ثابتة فقط، بل بوصفه نسقًا اجتماعيًا يخضع لإعادة التأويل. فالفجوة بين تدين الماضي وتدين الحاضر لا تعبّر عن تراجع الإيمان، بل عن تحوّل أنماط التدين من جماعي طقوسي إلى فردي تأملي. هذا التحول يعكس تغير علاقة المجتمع بالمقدس، ويكشف كيف يتأثر الدين بالبنية الاجتماعية والاقتصادية السائدة.

* مواجهة البنية الاجتماعية

تكشف نهاية الفيلم عن مأزق سوسيولوجي واضح: استحالة اندماج الفرد في بنية اجتماعية لم يشارك في تشكّلها. فمحاولات التكيف تصطدم بإيقاع اجتماعي متسارع يفرض منطقه الخاص، ما يضع الشخصيات أمام خيارين كلاهما قاسٍ: الذوبان الكامل وفقدان الهوية، أو الانسحاب والاختفاء كفعل مقاومة صامتة.

* المعالجة السينمائية من منظور سوسيولوجي

رغم عمق الأطروحة الاجتماعية، فإن الفيلم وقع أحيانًا في فخ الخطاب المباشر، مُفضّلًا الشرح اللفظي على البناء البصري الدال. هذا الخيار حدّ من قدرة الصورة السينمائية على إنتاج معنى اجتماعي مركّب، وجعل بعض الإشكاليات السوسيولوجية تُطرح كأجوبة جاهزة بدل كونها أسئلة مفتوحة للنقاش.

من هذا المنظور، يمكن اعتبار فيلم (أهل الكهف) تمثيلًا سوسيولوجيًا لأزمة الإنسان في مواجهة تسارع الزمن، وتحوّل القيم، وتفكك الانتماء. فهو لا يحكي قصة دينية بقدر ما يكشف عن مأزق اجتماعي معاصر، يتمثل في عجز الأفراد عن اللحاق ببنى اجتماعية تتغير بوتيرة تفوق قدرتهم على الاستيعاب. غير أن الفيلم، رغم غنى أطروحته، لم يحقق دائمًا التوازن بين العمق الفكري واللغة السينمائية، ما جعله عملًا غنيًا دلاليًا، متفاوتًا جماليًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...