بقلم د. عمرو سعيد زكي
تُعدّ رسالة الشكر التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي أثنى فيها على "القيادة الحكيمة" لمصر في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة، وعرض فيها استئناف الوساطة الأمريكية في أزمة سد النهضة، بمثابة اعتراف دولي صريح بالدور المحوري الذي تلعبه القاهرة كـركيزة للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط و أفريقيا.
هذه الرسالة، التي جاءت في توقيت دقيق،كانت نتيجة نجاح الدولة المصرية في العمل علي حل وتهدئة العديد من الملفات الإقليمية بالغة التعقيد، أثبتت فيها الدبلوماسية المصرية فاعليتها وقدرتها على احتواء الأزمات ومنع تفاقمها.
أولاً: مصر أوقفت حرب غزة ومنعت تهجير سكانها
أكدت رسالة ترامب على الدور المصري الثابت في إدارة التحديات التي واجهت المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023. لقد كان الدور المصري في الأزمة الأخيرة متعدد الأوجه، لكنه ارتكز على هدفين استراتيجيين: وقف الحرب ومنع التهجير القسري لسكان قطاع غزة.
لقد مارست مصر ضغوطاً دبلوماسية مكثفة على كافة الأطراف، مستغلة علاقاتها التاريخية مع الفصائل الفلسطينية وعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، للتوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
وقد نجحت هذه الجهود في التخفيف من حدة الصراع وفتح ممرات للمساعدات الإنسانية التي تدفقت عبر معبر رفح. الأهم من ذلك، كان الموقف المصري الحاسم والرافض لمخططات التهجير القسري لسكان غزة نحو سيناء.
اعتبرت القيادة المصرية أن هذا المخطط يمثل "قضية وجودية" بالنسبة للأمن القومي المصري وتصفية للقضية الفلسطينية .
هذا الموقف الصلب كان بمثابة صمام أمان إقليمي، حيث أجهض أي محاولة لتحويل أزمة إنسانية إلى كارثة أمنية وجغرافية على الحدود المصرية.
ويتجلى عمق الدور المصري في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار من خلال الإعلان عن تشكيل "مجلس السلام" برئاسة ترامب، والذي يهدف إلى الإشراف على إعادة إعمار غزة ونزع سلاحها.
وقد كشف البيت الأبيض عن أسماء أعضاء "المجلس التنفيذي لغزة"، الذي يضم شخصيات دولية وإقليمية بارزة، من بينهم رئيس الاستخبارات المصرية السيد الوزير حسن رشاد .
إن وجود مسؤول مصري رفيع المستوى في هذا المجلس يؤكد على أن القاهرة ليست مجرد وسيط لوقف إطلاق النار، بل هي شريك أساسي في صياغة مستقبل القطاع، وضمان استقراره، وتأمين الحدود المصرية بشكل مباشر.
كما أن هذا التشكيل يتماشى مع جهود مصر في دعم تشكيل لجنة تكنوقراطية فلسطينية لإدارة شؤون غزة، في خطوة نحو "مسار موثوق نحو حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم".
ثانياً: الدور المصري في احتواء التوتر الأمريكي - الإيراني
تشير بعض المؤشرات أن مصر كانت جزءاً من تحرك عربي رباعي (إلى جانب قطر وعُمان والسعودية) قاد جهوداً دبلوماسية مكثفة خلال الساعات التي سبقت قرار ترامب بتأجيل الضربة العسكرية على إيران.
كان الهدف من هذا التحرك هو منع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، حيث حذرت هذه الدول، ومن ضمنها مصر، من أن أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران سيؤدي إلى تداعيات أمنية واقتصادية كارثية على المنطقة بأسرها، بما في ذلك المصالح الأمريكية.
وقد أثمرت هذه الجهود، حيث أعلن ترامب لاحقاً أنه "أقنع نفسه" بتأجيل الضربة، مشيراً إلى أن الجهود الدبلوماسية قد أدت إلى نتائج إيجابية مثل وقف الإعدامات في إيران.
هذا الدور، وإن كان خفياً في تفاصيله، يؤكد على أن مصر تعمل كقوة توازن إقليمية تسعى لتهدئة بؤر التوتر الكبرى.
أما عن دلالات توقيت وساطة ترامب في أزمة سد النهضة،فإن عرض ترامب استئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل أزمة سد النهضة في هذا التوقيت يحمل دلالات عميقة من عدة زوايا:
أولا تعد مكافأة دبلوماسية حيث جاء العرض مباشرة بعد شكر الرئيس السيسي على دور مصر في غزة، مما يشير إلى رغبة ترامب في "مكافأة" الحليف المصري على دوره الفعال في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
ثانيا الاعتراف بالثقل المصري حيث أن العرض في مضمونه يؤكد اعتراف الإدارة الأمريكية بأن الأمن المائي المصري قضية وجودية، وأن مصر هي الطرف الأساسي الذي يجب ضمان حقوقه المائية .
ثالثا تأكيد الموقف المصري حيث شدد ترامب في رسالته على أنه "لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تنفرد بالسيطرة على الموارد الثمينة لنهر النيل بما يضر بجيرانها"، وهو ما يمثل تأييداً للموقف المصري الداعي إلى اتفاق قانوني ملزم.
رابعا نوعا من الاستثمار السياسي حيث يسعى ترامب، الذي كان قد رعى جولات سابقة من المفاوضات حول السد، إلى استثمار نجاحه المحتمل في هذا الملف لتعزيز صورته كـصانع سلام دولي.
إن ربط ملف غزة بملف سد النهضة في رسالة واحدة يوضح أن الولايات المتحدة تنظر إلى مصر كـشريك استراتيجي لا غنى عنه، وأن استقرار حوض النيل لا يقل أهمية عن استقرار الشرق الأوسط.
إن مبادرة ترامب تفتح الباب أمام إعادة المفاوضات حول الأزمة، وتؤكد أن الحل لا يمكن أن يكون إلا عبر اتفاق شامل يضمن حقوق جميع الأطراف، ويحقق التنمية لإثيوبيا دون المساس بحياة المصريين والسودانيين وهو ما طالبت به مصر مرارا وتكرارا في ظل مراوغات واستخدام سياسة الامر الواقع من الجانب الأثيوبي وهو ما رفضته مصر جملة وتفصيلا واحتفظت لنفسها بحق الدفاع عن أمنها المائي في حاله تعرضه لأي تهديد.
وختاما يؤكد المشهد الإقليمي الراهن أن مصر، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، قد رسخت مكانتها كقوة إقليمية لا تكتفي برد الفعل، بل تسعى بشكل استباقي لاحتواء الأزمات.
من منع حرب إقليمية في الخليج، إلى إجهاض مخطط التهجير في غزة، وصولاً إلى إعادة إحياء الوساطة الدولية في أزمة مياه النيل، تظل القاهرة هي الخيط الدبلوماسي الذي يربط بين أطراف النزاع، ويحفظ توازن المنطقة في وجه أعاصير التوتر المتزايدة.

تعليقات
إرسال تعليق