قصة بقلم/
عبد الرحمن هاشم - كاتب وصحافي وقاص مصري*
(1)
لم يكن رفضها مفاجئًا. أمي لم تحب أن يربطني شيء بابن عمي، لا حبًا ولا زواجًا!
لم يكن غريبًا أن يجرحني كلامها، فهزل جسدي وشحب وجهي، وإذا بها تعاتبني يوما لالتزامي الصمت والعزلة والنوم، فاندفعت أفتح لها قلبي وأبين ما ينطوي عليه من حب، فما كان أشقاني حين رأيتها تقابل أشجاني الحارة بهدوء قاتل وتلقي عليها ماءً باردًا باتهامها لي بالتمثيل البارع وأنَّ حالتي حالة مراهقة شاذة.
ولكن، كيف لي وأنا الفتاة المنطوية ذات الأربعة عشر ربيعًا أن أبت في هذا
الأمر أو يكون لي فيه قرار؟
لذلك كله قصة طويلة طول عمري كنت فيها البطلة والشهيدة التي ظل حبها مستورا
بين ضلوعها غير معلن ولا يعلم به إلا أهل الثقة والصدق من الناس.
والدي هو
الشقيق الأصغر لوالده، وأيضًا نحن جيران، نسكن في الدور الثالث بمنزل بشارع الحلو
بطنطا، ويكبرني بخمس سنوات.
ولك أن تتخيل العلاقة بين أسرتين يقطنان في دور واحد؛ الشقة أمام الشقة،
ورب الأسرة الأولى شقيق لرب الأسرة الثانية، والأولاد يشتركون في اللعب والفسح
والأكل والدروس وأحيانًا المبيت.
أحببته من أول نظرة، وتحديدًا يوم التقيته على بسطة السلم وكان يناولني بعض
قطع الأثاث يوم انتقالنا إلى جواره وسني عشر سنوات وقد سبقنا هو وأسرته بعام
تقريبا.
تطوع هو وإخوته الصغار بمساعدتنا في نقل ما خف وزنه من "العفش"
وصعدوا به إلى الدور الثالث، تاركين "الثقيل" للعمال.
ومنذ ذاك اليوم سكنني، لا كمراهقة تتعلق بوجه جميل، بل كمن اكتشفت حياتها وهي تمتلىء وجدانا، وطريقها وهو مفروش بالحب، لقد كان حبًا عذريًا نادرًا.
في ذلك الماضي البعيد، أي قبل ما يزيد على 75 عامًا؛ انضم عمي لنشاط سياسي
معارض لأهل الحكم آنذاك فحكم عليه بالسجن المؤبد فخافت أمي على زوجها وانسحبت
رويدا رويدا وأغلقت عليها بابها وأثَّرت على والدي فاستجاب لها ولم يعد يسأل على
أبناء أخيه إلا بطريق غير مباشر وأصابته "فوبيا السياسة" فاعتكف في
منزله لا يخرج منه إلا للعمل.
وتماسكت زوجة عمي وعاشت على ريع أرضها مع بعض المساعدات السرية التي كان
يرسلها أقاربها ومنهم والدي.
وكان من الطبيعي أن توتر هذه الأحداث علاقة الصداقة بين أمي وزوجة عمي،
وكانت أمي تستشهد بالمثل السائر "الباب الذي يأتيك منه الريح سده
واستريح"، وقوَّى هذا الشعور في نفسها ما نشأت عليه في بيت أبيها الذي كان له
رأي يبثه لأهل بيته ويذيعه بين أصحابه وهو أن الملك لله يؤتيه من يشاء، وأن مصادمة إرادة الله لا تأتي بخير.
التجارب الحيّة حول أمي جعلها تحرص على إماتة الأمل وهو نبتة صغيرة، فاستقبلت باستهانة فكرة حجز ابنتها لابن عمها وتزويجها منه عقب انتهاء دراسته وتخرجه، وجاء رفضها صريحًا صادمًا مُعرّضا بالقابع خلف القضبان وكان موقف والدي من كل ذلك الحياد والتردد بين واجبات الأخوة ونصائح الزوجة.
*****
وذات مساء، وقد كنت في الخامسة عشرة، سمعت جرس الباب يدقّ على غير عادة في مثل هذا الوقت. فتحتُ فوجدته واقفًا، يحمل بين يديه دفترا صغيرًا وورقة مطوية. ناولني الورقة وهمس كعادته:
– "رسالة.. أرجو أن تقرأيها".
ولم ينتظر أن أرد، بل استدار بخفة ومضى على السلم دون أن يعطيني ظهره بل ظل ملتفتا إليَّ حتى غاب عن نظري.
أغلقت الباب، وجلست أقرأ، فرأيت الكلمات تهزّني:
"إن صمتُّ فالحب لا يصمت، وإن حاول أحد أن يُغيّبكِ عن قلبي، فلن يستطيع إلا بعد أن يغمد خنجره في صدري".
شعرت بحرارة تملأ صدري، وكدت أقبّل الورقة، لولا أن أمي دخلت فجأة فانتزعتها من يدي، قرأتها، ثم مزّقتها بلا رحمة وقالت:
– "عار عليك أن تصدقي كلام المراهقين! عيشي الواقع ولا تصادميه".
الحق أنها مزقت قلبي لا الورقة!
(2)
كان بيتنا سجنًا لا فكاك منه، وجنحت والدتي إلى التمادي في خطتها، فأقعدتني عن التعليم مكتفية
بشهادة الإبتدائية، وأتت لي بآلات حياكة وتطريز جاعلة من حجرتي مشغلًا؛ عن طريقه
فقط أمكنني التواصل مع العالم الخارجي عبر زبائني من الفتيات والسيدات.
خطر في ذهن أمي أن البعيد عن العين بعيد عن القلب، وأنها بحبسي عن رؤية
المحبوب تُحقق المراد وهو نسيانه وفتور التعلق به، وقد فرحت بدخوله الجامعة
باعتبار أن بنتًا من بنات الجامعة لا شك سوف تعجبه وتلفت نظره وتحل في قلبه محلي.
ولكن هيهات؛ فقد تعايشت مع السجن المنزلي كما تعايشت مع عقوبة عدم إتمام
التعليم وجعلت من حجرتي عالمي المتسع، كما جعلت من مكتبة أبي مدرستي وجامعتي.
كل ذلك وطيف الحبيب لا يغادرني، فإذا نمت فهو ينام في حضني، وإذا استيقظت
أتخيله طول الوقت معي، وأجتهد في الحياكة والتطريز من أجله، وأجتهد في المطالعة
والدرس من أجله، واستطعت أن أدخر من تعب يدي ما لم يحوجني لطلب شيء من أمي.
حباني الله بموهبة الرسم والتشكيل، وشجعتني هذه الموهبة على تصميم الملابس
بكافة أنواعها ومن ثمَّ حياكتها الأمر الذي جعلني أتعاقد مع بعض المحلات حتى راجت
بضاعتي وانتعش دخلي وكنت نموذجًا حيًا للفتاة الحِرفية ذات العقل التجاري النشط.
كان هذا الأمر كافيًا لاستباق الخطاب لطلب يدي.
وهكذا استقبل بيتنا أمهاتٍ شتى؛ كل واحدة منهن تلتمس الموافقة على الارتباط
بابنها.
وكان لوالدي صديق تدنو سنه إلى الخامسة والأربعين، أصلع الرأس، متين الجسم،
فارع الطول، أسمر اللون، جوهري الصوت، يعمل بتجارة الأسمدة الزراعية، ويقيم في بيت
أبيه في شارع الصاغة بطنطا وهو شديد الاعتزاز بأصول عائلته.
لم يكمل تعليمه، لكنه تفرغ لتجارة أبيه التي بدأ يعمل بها وهو في السابعة
من عمره. انبهر بموهبتي فعرض على أبي التوسع ومشاركته في المشروع بتأجير إحدى شقق
الدور الأرضي بذات المنزل الذي نقطن به، لتكون مشغلا كبيرا يدر دخلا على الجميع، وتمت الموافقة دون الرجوع لي أو
استشارتي.
وقد دأبت أمي على التلميح
لي كل حين وحين بأوصاف هذا الشريك، وأنه "شريك أمين، ابن حلال"،
فكان ردي الصمت والاستهانة.
وكان من نتيجة إعمال الحيلة أن أسمع ذات يوم جلبة في الشقة المواجهة لشقة
المشغل في الدور الأرضي، وأسأل عن الجلبة وأعلم أن هذا الشريك يجهزها لتكون مقرا
لإدارة المشغل ويخصص لي فيها حجرة مكتب.
وتمر أشهر بعد هذه الحادثة، وإذا بي أسمع جلبة في الشقة التي تعلو شقة ابن عمي. سألت أمي عن سبب الضجيج، فقالت وهي تمسح يديها في فوطة المطبخ دون أن تنظر إليّ:
– «بيجهزوها لعروسة... عروسة الحي كله حيحكي عنها!»
تجمّدتُ في مكاني. لم أتمالك نفسي. شيء انفجر داخلي بصوتٍ لم أعد أسيطر عليه:
– «عروسة؟! فوق شقته؟! بتحبيني بجد؟ مش ممكن... مفيش حد بيؤذي اللي بيحبه بالشكل ده!»
أكملت وأنا أرتعش:
– «حبستيني... أجهضتي تعليمي، وبتدفعي بيا لراجل معرفوش ولا عمري ارتحت له. وإنتِ عارفة إن قلبي ليس إلا لابن عمي!»
تغير وجه أمي، لكن لم تُبدِ انكسارًا. تقدمت نحوي خطوة وقالت ببرود موجع:
– «المهم إن اللي بتحبيه ظروفه كلها تصرخ فينا ماينفعش تبقي مراته!»
صرخت من أعماقي:
– «دعي هذا الحكم لي لا لك».
اقتربت مني وهي تحدّ النظر في عيني، وقالت بغيظ:
– «كسر ضلوعك حق وعدل!»
(3)
أتذكر ذلك اليوم حين رأيت أبي يتحدث هامسًا لأحد الزوار في الصالون. قال إن "فلانًا" عاد من الواحات ومعه رسالة من عمي. كدت أصرخ فرحًا، لكني اختبأت خلف الباب لأستمع.
قال الزائر إن عمي ما زال قويًا، يزرع الورد في ساحة السجن، يُعلم السجناء، يصلي الفجر حاضرًا، ويرى الشهيد صديقه كل أسبوع في المنام.
قال أبي: "يا له من رجل مؤمن.. أترى هل يصير ابنه مثله؟"
أغلقت أذنيّ على آخر الجملة. نعم، إنه كذلك.. بل أكثر.. إنه هو، حبيبي، حياتي، امتداد النقاء الذي لا أستطيع العيش بدونه.
وهنا، ناداني أبي ليتأكد من خلو البيت من أمي التي خرجت للتسوق، واستأنف حديثه مع الزائر الطيب الذي لخص "قضية" عمي في كلمات أنصت لها جيدا:
كان أخوك واحدًا من ذلك البحر المتماوج من طلبة مدرسة المعلمين على كوبري عباس عام 1946م
وكانت مصر في هذه الفترة مملكة محتلة تموج بمظاهرات رافضة للأوضاع الفاسدة التي
أباحت للإنجليز انتهاك الوطن والعبث بمستقبله.
تناغم على كوبري عباس هدير شباب يحاول الوصول إلى قصر عابدين، فانفتح
الكوبري الحديد ببطء وتحول إلى شطرين وهوى الشباب إلى النيل عشرات بعد عشرات نجا
منهم من نجا ومات منهم من مات.
وينجو أخوك، لكن حب الوطن الذي
يسري في دمه يجعله يناضل بعد التخرج في صدام مباشر مع الإنجليز في مدن القناة وكان
من نتيجته استشهاد صديق من أعز أصدقائه.
ومرت الأيام وذهب نظام، واستطاع النظام الجديد تجميد الأحزاب السياسية
وإزاحة الداعين إلى الديمقراطية وعزل المبادرات الجماهيرية مهما كان اتجاهها، رغم
الخطب الرنانة التي تتحدث عن الشعب القائد والشعب المُعلم.
وسأل أخوك صديقه الشهيد ذات ليلة في المنام:
-
أذهب دمك هدرا؟
فردَّ عليه الشهيد بصوت واضح:
-
كلا وألف كلا.
"كنت أسمع كلمات الزائر، لكنني كنت أراها صورًا تنبض في خيالي: عمي يُصلّي، يزرع الزهر، يرى الشهيد في منامه.. وكل مشهد كان يؤكد لي أن حبي له لم يكن عن فراغ."
واستأنف أخوك نضاله، لكن في أضيق الحدود وفي صورة غير علنية، وعرف الفارق جيدًا بين عهد مضى أتيحت فيه الحريات وعهد حاضر فرضت فيه كل القيود، وحين اكتُشف أمره، كان الاعتقال والتعذيب ثم السجن الطويل في انتظاره.
لم يكن أخوك ضعيف الإيمان بقضيته، ولذلك استهان بكل ما يُصب عليه من عذاب،
وخصوصًا أن صديقه الشهيد ظل يأتيه في المنام يواسيه ويشد من عزمه وبخاصة وهو في
سجن الواحات.
ظل أخوك متواصلا مع أسرته عبر الخطابات وعبر بعض الزيارات المتباعدة، وكم
فرح بنجاح ابنه والتحاقه بكلية التربية وكم ثمّن جهد امرأته وما تقوم به من
أعباء لا يقدر عليها بعض الرجال".
حين قال الزائر لأبي إن أخاك كان يردد (زنزانة الروح أشد خنقًا من زنزانة الجسد)، شعرت أني أنا الأخرى حبيسة، لا بين أربعة جدران، بل بين حب لم يكتمل وأمٍ لا ترى قلب ابنتها.
في تلك الليلة، نمتُ على كلمات الزائر، وصورة عمي، ووجه الحبيب. وظل قلبي يهمس لي: لا تتركيه، لا تنسيه، إنه امتدادكِ.. وحريتكِ.
(4)
عهد الناس بالحب والمحبين أن يكون فراق الحبيب أمرًا هائلًا، ولكن من خبروا
الحب لا يستبعدون أن يتسم ذلك الفراق بطابع البساطة ولا سيما إذا كان الحب عذريًا
عفيفا لا يتعلق بالجسد قدر ما يتعلق بالروح.
أما أنا فكان شأني وذلك الفراق شأن من يلقي نفسه فجأة في بلد غريب موحش لا
يعرف من أهله أحدًا، ولا يستطيع التفاهم مع الناس لأنهم ليس فيهم من يعرف لغته.
التحقت بكلية التربية جامعة القاهرة وسكنت في المدينة الجامعية وكان حبي
لابنة عمي قمينًا أن يزداد بذلك الفراق، لأنه في نظري موضوع حياتي الوحيد، ولا شغل
لي سواه، حتى الدراسة والوظيفة لن تكون بديلا عنه يوما من الأيام، فبغيره حياتي
تكون غير ذات جدوى أو موضوع.
ولا تسل عن نفاد صبري في أول ليلة أقضيها بالمدينة الجامعية وما كان أشوقني
إلى الخلوة مع نفسي بعيدًا عن أعين الزملاء حتى أفضّ ذلك الخطاب العزيز الذي ظل قلبي يقرؤه قبل أن تقرأه عيناي؛ ذلكم الخطاب
الذي منذ تسلمته وأنا أشعر بالبشر حولي في كل مكان، وكم من مرة كنت أمد يدي في
جيبي فأتحسسه كما يتحسس الشرطي مسدسه وقت الريبة والأخطار، حتى إذا نام من معي في
الحجرة المشتركة وهدأ المكان صعدت فوق سطح المبنى وعلى ضوء أعمدة الكهرباء رحت
أقبّل الورقة المطوية التي سطرت بنبضات قلب حنون.
وأخيرًا لم أجد على مرمى البصر إنسانًا، فجعلت أقرأ ما سطر في الورقة وأعيد
تلاوته عشرات المرات:
"حبيبي، اسمح لي أن أبوح لك بمحبتي، كما لو أنني أفتح نافذة قلبي على مصراعيها… فكل ما فيّ لك، وكل ما فيك لي، ولكنني لا أرجو من حبك سوى أن تكون بخير.
إني لا أحبك كمن يتعلّق، ولا كمن يُريد أن يملك، بل أحبك كمن يرى فيك خلاصه ونقاءه، كمن يراك امتدادًا لجذرٍ مغروس في القلب، لا تمسه عواصف الدنيا.
صدّقني، كلما رأيت وجهك في خيالي، شعرتُ وكأن الحياة تكتمل… وكأنني أمسك بزمام الهناء، وإن لم يكن بين يديّ شيء.
ربما لا أستطيع أن أقول لك كل ما في صدري، لكنني على يقين أنكَ لو نظرت إلى عينيّ يومًا، ستعرف أنني أحبك بصدق، صدقٌ لا يعرف الكتمان، ولا يشبه هوى الفارغين.
وأنا يا ابن العم، حين أكتب إليك، لا أفعل ذلك بدافع الحنين فقط، بل بدافع الإيمان… الإيمان بأن هذا الحب ـ كما بدأ طاهرًا ـ سيظل نورًا لا تغشاه الظلمة، وعهدًا لا تفتّته المسافات، وأملًا لا يموت.
فاحفظ قلبك كما هو، نقيًّا، عاليًا، كما عهدتك. واحذر من أن تُرِّخِصَ هذا الحب في زمن التنازلات.
أحبك.. لا كما يحب الناس، بل كما تُحب الأرواح، وهو حب طاهر طهارة هذه الأرواح الملكوتية".
كان ذلك الخطاب أشبه برحمة أرسلها لي ربي، أحسست معها بأنني أطير في الهواء!
بهذه الطاقة
الإيجابية المشحونة حبًا وصبابة بدأت الدراسة.
ووليت بعد ذلك وجهي شطر صديق قديم لأبي يعمل بالتدريس في الجامعة، ولما
قابلته استرحت إليه واستراح إليّ وقد عنى بتذليل كل الصعاب التي واجهتني في بداية
تعليمي الجامعي، وقد وجدت هذا الإنسان الخلوق مثالًا مجسمًا للبساطة والتواضع
والكرم، فقد عرض عليّ الإقامة معه ومع أولاده وأن يُخصص لي حجرة في داره وكان
جادًا في هذا العرض، وفتحت له صدري وحكيت له قصتي مع ابنة عمي فاستاء جدًا وحزن
حزنًا شديدًا لعدم إتمامها تعليمها، وقال متحسرا على مستقبلها:
-
هذه البنت لو
أكملت تعليمها لكان مكانها الآن كلية الطب.
ثم لم يلبث أن قدّم إليَّ معروفًا لن أنساه، فبحكم عمله استدعاه مكتب الأمن
يومًا لسؤاله عني وسرّ تقرّبه مني، وعلم منهم لأول مرة، أن والدي يقضي حكما بالسجن
ليس لجرم جنائي ارتكبه، ولكنها السياسة، وبينما كان في انتظاري وتوقعي أن يتبرأ مني كما فعل كثيرون، إذا به يواجههم بوجه مرفوع.. لم يتغير ولم يتنصل من معرفته بي، بل
أشاد بانضباطي وبعدي عن السياسة، وأعلنهم أنه ضامن لي، فقال:
-
إنه ولد وطني، وأنا به كفيل.
تأثرت كثيرًا لهذا الحب وحمدت الله الذي ساق لي صديق والدي ليقدم لي هذه
الأيادي وأرجعت كل ذلك لوالدي وإخلاصه في الدعاء لي، فكأن دعاءه أو كل شيء يأتيني
من ناحيته يحميني ويعصمني من كل أذىً وسوء.
(5(
وجدتني أمي على سريري أبكي بمرارة. لم تنطق بكلمة في البداية. ربما كانت محرجة من خشونتها معي، أو مرتبكة أمام دموعي التي لم تألفها مني من قبل. وعندما هدأت أنفاسي، التفتُّ إليها دون أن أنظر في عينيها وقلت بهدوء مكسور:
– أعلم أنكِ لستِ أول أمٍّ تحلم بأن ترى ابنتها عروسًا، لكني أيضًا أعلنتُك بمن أحبُّ، وإذا أبيتِ هذا الشخص فالأفضل لي أن أظل بلا زواج، ولِتكفي عن إيذائي وتعكير صفوي.
صمتت المرأة. ثم فجأة، ثارت:
– إذن تصرّين على هذا العبث؟ ما معنى الهوى؟ وماذا تعرفين عن الحب أصلًا؟ هذه مشاعر صغار لا تُلزم الكبار بشيء. ثم إن هذه الأسرة... أسرة عمك تحديدًا، أسرة مطاردة وعليها العين! ألا تفهمين؟ معذورٌ من يكره البنات وخلفة البنات!
لم أُجب. بقيتُ في مكاني، متوترة الأطراف، أتشبث ببطانيتي كأنما هي جدار حمايتي الأخير. عيناي لا تعكسان إلا الخوف والذهول والحذر. ثم انهرتُ من جديد بالبكاء، وكنت أردد بين شهقاتي:
– لا... لا... لا يمكن...
فمالت إليّ بصوت بدا فيه شيء من الحنو:
– يا ابنتي، أنا لا أمنعك من حُبِّه. لكن الزواج به؟ لا... لا يمكن. حبك لطالب لا مستقبل له لن يوصلك إلى شيء.
كان عقلي يدور في عجلة متشبثًا بالأمل. فكّرتُ: هل أستطيع التمسك برأيي؟ نعم، لكن ما النتيجة؟ أنا تحت سطوتهم، لا سند لي ولا حجة. لا تعليم يشفع لي، ولا استقلال أحتمي به. إنهم قادرون على محاصرتي بالضغط واللوم والتكرار... بل وربما على تزويجي قهرًا.
شددت الغطاء على رأسي، وقررت إنهاء الحوار بالصمت.
وفي المنام... جاءني الحبيب.
كنت أرقد على عشبٍ أخضر يلامسه ضوء الأصيل، وهدوء غريب يسكن المكان. لمحته قادمًا نحوي، يبتسم ابتسامة كلها ثقة واطمئنان وصفاء. جلستُ، فجلس بجانبي. ألقى بالكتب من يده، واستلقى على ظهره وأشار إليَّ أن أصنع صنيعه. لم نتكلّم كثيرًا. فقط ابتسمنا وضحكنا. فقط تنفسنا معًا. نسيتُ العالم. نسيتُ الصراع. تمنيت أن تذيبنا حرارة الحب إلى الأبد.
وضعت يدي على فمي حتى لا يصل صراخي لأحد غيره:
– سيجبرونني على الزواج... لا أستطيع الحياة بعيدًا عنك. دعني أظل بين ذراعيك... حتى النهاية.
ضمني إلى صدره، مسح دموعي بقبلاته، وهمس:
– أتحبينني إلى هذا الحدّ؟ إلى حد أن تضحي بالعريس الغنيّ؟
فقلت ودموعي تنهمر:
– ماله لا يعنيني... لم أفكر في هذا يومًا. كل ما أريده أن أحبك، أن أعيش معك، أن أمضي عمري معك... إن أموال الدنيا لا تساوي لحظة واحدة معك.
ثم أردفت:
– لستُ ملكًا لأحد. لي أسرة، نعم، لكن من حقي أن أُستشار في أمرٍ يخص سعادتي. لا أطلب منك وعدًا ولا زواجًا، فقط أن تبادلني حبًا بحب... عسى أن يجمعنا الله يومًا، فلا نفترق بعده أبدًا... أبدًا.
استيقظت من الحلم وقلبي مع الحبيب الغائب. لكن شعورًا ثقيلًا كان يراودني: شيء يُدبَّر من خلفي. شيء يُحاك في الظل.
خرجتُ لشراء مستلزمات للمشغل. مشيتُ كثيرًا حتى تورّمت قدماي. وعند عودتي، لمحت من بعيد جمعًا من رجال ونساء العائلة عند بوابة البيت. ثلاث سيارات مصطفّة، أصوات مرتفعة، ضحكات لا أفهمها.
توقفتُ، قلبي يرتجف. تسمرتُ في مكاني، وتمسكتُ بجدار بيت الجار كأنني أتشبث بالحياة.
صرخت أمي من بعيد:
– تعالي واركبي.
لم أتحرك.
اقتربت، دفعتني؛ فقلتُ بوجع:
– ترفقي بابنتك!
ابتسمتْ ابتسامة باردة، ثم التفتت إلى أحدهم وقالت:
– اصعد بالمشتريات إلى المشغل.
ركبت السيارة كمن يُقاد إلى مصيره. توقفت بنا أمام محلٍّ في شارع الصاغة. ترجّلنا وسط الزغاريد والمباركات وتوزيع الحلوى والمشروبات. ولم أكن أعلم أنني، في تلك اللحظة، خُطبتُ — قهرًا — لرجلٍ لا يعرف قلبي اسمه.
(6)
دخلتُ محلّ الصاغة كما تدخل أسيرةٌ إلى ساحة أسْر، والذهب يتلألأ خلف الزجاج ببريق لا يبهرني. عينيّ تزوغان، وأذناي لا تعترفان بزغاريد أو تبريكات، حتى كلمات أمي التي كانت تتودد بها إليَّ بدت كأنها طلقات نار. كنت هناك، نعم، لكنني لستُ معهم... أتركهم يعبثون بي كما يشاؤون، كطفلةٍ في المهد لا تعرف الاعتراض ولا تستطيع سوى البكاء.
ألبسوني الشبكة الصفراء، فشعرت بثقلها على معصمي. وعندما تعالت الزغاريد ازدادت دقات قلبي، وشحب وجهي شحوبًا نمَّ عن كظم غيظي.
وفجأة، وسط الضجيج والتصفيق، جاءني هو... طيفه. لم يكن أمامي أحدٌ سواه. تخيلته هو مَن يُلبسني الشبكة، هو من يمسك بيدي بلطف، ومن يُجلسني جواره في السيارة، يربّت على قلبي المرتجف، ويلفح خديَّ بأنفاسه. همست له، متظاهرة بالدهشة:
– اتزن، لم تكتب عليّ الكتاب بعد!
وتخيّل "العريس" أنني أقولها له، فطار قلبه من الفرح.
كانت مفارقةً قاسية، لكنني لم أملك إلا أن أستمر في خداعهم... وخداع نفسي.
وفي المساء، زادتني رسالته التي تسلمتها من أخته تشبثًا بطيفه المحبوب، فعزمت على استدعائه في جميع أوقاتي. كتب لي يقول:
"حتى وأنا في الغياب، أعيش في قلبك.. أتنفس من نبضك، وأتشبث بصبرك. أنتِ نجاتي في لحظة السقوط، ودفئي في برودتي الطويلة... لولاكِ، لما تجرأت على ألمي".
*****
كان الناس يحتفلون بي عروسًا، وفي الوقت نفسه شيّعوا زعيمًا إلى مثواه.
28 سبتمبر... يوم زفافي، ويوم رحيل عبد الناصر. وبين الزغاريد والموسيقى، كنت أودّع نفسي القديمة، وأستقبل حياةً لا تخصني.
*****
لم أضِنَّ على الرجل الذي اختاروه لي بحقوقه، ولم أتمرّد على قدرٍ فُرض عليّ، لكنني كنت أعيش مع طيف رجلٍ آخر... رجلٍ لم ترتضه أمي، بينما ارتضاه قلبي.
)7(
شغل الحبيب نفسه بالدراسة حتى أضناه التعب. تخرج بتقدير جيد جدًا، وعُيّن مدرسًا بالإسكندرية؛ المدينة التي لم يزل يغسلها المطر من خطاياها، وحيث يسابق أهلها الزمن ليصنعوا لأنفسهم مكانًا في وطنٍ جريح يضمد جراحه.
كانت كل زيارة له إلى طنطا تحمل طابعًا من محاولة النسيان أو العزاء بالبذل والجود والعطاء. حرص ألا يمكث في العمارة إلا وقت الراحة والنوم، وبقية يومه بين طلاب الجيران وأبناء الحي الفقراء، يمنحهم دروسًا مجانية كأنما يرد دينًا واجب الأداء.
ثم جاء نداء الوطن. لبّى دعوة الجندية في حرب الاستنزاف وخرج منها سالمًا في عام 1971، وكان يُسِّرُ لأخته أن طيف ابنة عمه خفف عليه أهوال هذه المعارك.
لم يتجاوز وجعه، بل روّضه. جعله رفيقًا صامتًا لا ينهكه ولا يفارقه. كان قلبه إلى جواره دومًا، لا أمامه ولا خلفه.
وفي زيارته الأولى بعد التجنيد، تسلّم منها رسالة قصيرة -عبر وسيط- وكأنها تنهيدة طويلة:
"لا تجعل للشيطان إليك سبيلاً، فحبك يسري بدمي. لم أملك من أمري شيئًا، ورضيت بالقدر وأنا أستبقيك طيفًا لا يؤذي أحدًا. حبك ليس مغامرة، بل عزاء. وإذ أكتب إليك، أرتجف بين الفرح والخوف. أراك في وجوه أبنائي، وأخشى أن يراني زوجي يومًا وأنا أتهجّى اسمك سرًا في قلبي".
*****
ثلاثون عامًا مرّت كقطار ثقيل لا يتوقف: بِلا رسالة، بِلا لقاء، بِلا كلمة.
*****
وحين جاءها معزِّيًا في وفاة زوجها، وكان أبناؤها قد كبروا وتزوجوا، رمقها بنظرة احتوت ثلاثين عامًا، كأنه يبحث عنها في ملامح الزمن. ثم قال بصوت مَن اعتاد الصمت كثيرًا:
– أما زلتِ على العهد؟
شعرت بشيء يضطرب في نفسها، شيء يشبه الحياة تعود لمختنق بالغاز. قالت، بصوت كله ثقة وابتسامة رائقة:
– بلى، ولم يخنِّي قلبي يومًا... حتى في غيابك، كنتَ أنت الحاضر الغائب.
)8(
خلال ثلاثين عامًا تزوج ابن عمي، وأنجب، وسافر، وعاد، وكبر أولاده وتزوجوا. ولما بدا أن الوقت قد حان للحبيبين أن يلتقيا في عش يجمعهما، كان المجتمع لهما بالمرصاد.
كنتُ قد أصبحت جدة، أبنائي تجّار لهم اسمهم، وبناتي تحت رجال ذوي مناصب ووجاهة. أما هو، فمكانته لا تقل، لكنه ألحّ في الزواج، وقال: "نتحدّى الأوضاع التي لم ترحمنا يوما".
رفضتُ بشدة إعلان الزواج. لم يكن ضعفًا، بل رحمة به وبي؛ ما عاد حبنا يحتمل أن يطعنه حسود أو ينهشه عزول.
تزوّجنا بالفعل، لا لننتصر على قوم قد رحلوا، بل لنهزم الظلم نفسه. لم نطلب بيتًا ولا اعترافًا، فقط "لحظة حلال" تسند أرواحنا. كنا نلتقي في بيت ابنة خالي، تلك الأرملة الوحيدة التي آوتنا في تفهم وسعة صدر كريم.
تهيأت كما تتهيأ البكر، سيدخل بي حبيب العمر. وبعد نوم عميق مريح، شاغبته في الصباح:
– كنتَ ابن الثلاثين!
فقال وهو يبتسم:
– وكنتِ ابنة العشرين!
وبحدس غريب تعجبتُ منه كثيرًا، شعرت أنني خصبت، وهتف بداخلي هاتف ينبئني بأنني سأكون أمًّا وسني فوق الخمسين!
قال حبيبي: "لم أجد بشرة أنعم من بشرتك، ودفئا أحن من دفئك"، فابتسمت وقلت بصوت خفيض وأنا أتحاشى النظر إليه:
– أنا خصبة الآن.
ضحك، ثم صمت لحظة، وقال:
– حقًا تكون معجزة!
*****
وكأن الله أراد أن يعوضنا ما فات، فأبى إلا أن يُريني ويُريه ويُري ابنة خالي أثر الحب والوفاء في جسدي.
مكثت عندها تسعة أشهر كاملة، تحت ذريعة تمريضها. وفي تلك الأشهر، جاءته فرصة للهجرة إلى أستراليا، حيث يعمل ابنه بالسلك الدبلوماسي. لم أطلب منه أن يبقى، رغم أنني كنت أستطيع، لكنني لمحت الرغبة والسرور في عينيه فسَكتُّ.
نعم، كنتُ حاملًا منه، ومع ذلك لم تصبني غيرة ولا وسوسة. بل حباني الله بقلب كبير، يعرف الفرق بين التملك والمحبة، بين الاحتياج والرضا، بين الأذى والوفاء.
وضعتُ "حملي المعجزة" بحمد الله.
صوّرت طفلي وهو نائم، شامة رقبته كأنها ختم عشق قديم، وأرسلت له الصورة دون كلمات.
تمنيت أن ينزل على أول طائرة، لكنه لم يفعل. فشاورت ابنة خالي، فقالت بهدوء:
– كما تعلمين، أنا وحيدة وغنية ولا أنجب... أعتبر أن الله أراد لهذا الطفل أن يأتينا جميعًا، لا لكِ وحدك. هو هديتي أيضًا. سنقول للناس إنني تبنيته، وأنتِ "الخالة الحبيبة" التي لا تفارقه... وبهذا، يغمرنا الستر، ويبقى ابنك في حضنك.
*****
هكذا سارت الأمور.
ابننا اليوم في أولى جامعة، يناديني "خالتو"، ومع ذلك حين يستضيف أصدقاءه يقول:
– هذه هي أمي الثانية... لا تنظر إليّ إلا كأمّ، ولمسة يدها على خدي دائمًا تبعث دفئًا لا أفهمه، لكنني أحنُّ دوما إليه!
*****
ولا أقول ضاع العمر يا ابن عمي، لأني لا أضيِّعُ حبي.
حبي لك حيّ، لا تهزمه الخطوب.
لكن، ما أخشاه، أن تموت وأنت بعيد، أو أموت وأنا بعيدة، وينغلق الباب إلى الأبد، دون أن يعرف ابنك – أبو الشامة – من نكون له.
*****
الآن، أجدني أكتب هذه السطور، بحثًا عن نسمة أمان واطمئنان...
إلى ابني الذي لم يعرف قصتي،
وإلى أبنائي الذين لم أخبرهم سري،
وإلى من أحببت، وكان حبنا خفيًا، وما أخفيناه لنيل شهوة نفس، بل اتقاءً لشرور الناس.
هذه قصتي، وهذه شهادتي، وهذا قلبي، وهذا حسن ظني أقابل به الله.
_________________________
*كاتب وصحافي وقاص مصري، يُعنى بتقديم القصة من زوايا إنسانية واجتماعية بعمق وجداني، وتميّز سرديّ هادئ.
يتناول في نصوصه تفاصيل العابر والمسكوت عنه، ويكتب بحسٍّ صادق عن العلاقات المركبة واللحظات الفارقة التي تغيّر مسار الحياة.له مشاركات في الصحافة الثقافية، ومتابعات نقدية، ونصوص تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ "أدب الاعتراف الراقي".
"شهادة قبل أن أموت" ليست مجرد حكاية حب متوهج مستمر لا ينطفأ، بل اعتراف أنيق مؤلم عن الحب حين يصطدم بزمنه، والأمومة حين تفرض نفسها كقدر يتخفى خلف الأبواب المغلقة.
ردحذففي نَفَسٍ سرديّ رائق، وبعين امرأة عاشقة متجاوزة للأعراف، يكتب عبد الرحمن هاشم شهادة مؤجلة لبطلة لا تطلب إنصافًا من أحد، بقدر ما تبحث عن حقها في أن تُحب، وأن تكون أمًّا، حتى لو أنكرها المجتمع.
نص متماسك، صادق، وعالي الحس الإنساني، ينتمي إلى أدب الاعتراف، لكنه لا يغرق في العاطفة، بل يمسكها بحكمة الكبار الذين جربوا الحياة وسكتوا عنها طويلًا، ثم تكلموا في لحظة صفاء.
يكتب عبد الرحمن هاشم مشهدًا خافتًا ومفاجئًا من حياة امرأة تحدّت قوانين المجتمع في صمت، واحتضنت أمومتها في الخفاء، وكتبت أخيرًا رسالتها إلى الابن الذي لا يعرفها... قصة عن الحب المؤجل، والأمومة المعجزة، والستر الذي لا يُفصح إلا في اللحظة الأخيرة.
ردحذفتنسج البطلة خيوطًا بين الحاضر الثقيل والماضي النابض بالأمل، حين تكتشف في حكاية عمها المعتقل جذورًا لحبها، وامتدادًا لنقائها. بصوت داخلي مشحون بالشوق والأسى، تتقاطع السياسة بالعاطفة، ويغدو الحبيب ظلًا لرجل نذر نفسه للحقيقة والحرية. هنا لا تُروى الحكاية لمجرد التوثيق، بل لاستعادة إيمان ضائع، وللتمسك بحبّ يشبه النور.. يشبهها.
ردحذفورد تعليق من أ.د. محمود سالم الشيخ يقول فيه: "القاهرة، طنطا، الإسكندرية، الواحات ثم أستراليا! لفة طويلة لرسم حياة المرأة في مجتمعنا الجاهل أكثر من ان يكون ظالما أو غاصبا. ولا يكفي أن يتغلب عليه قلوب محبة بعد ثلاثين عام من التمثيل والمعاناة، وإن كان حظ الرجل دائما اوفر، في عدم المبالاة وتقدير المسؤلية".
ردحذف