التخطي إلى المحتوى الرئيسي

امرأة في الظل



قصة قصيرة بقلم/ عبد الرحمن هاشم

لماذا لا يجد أحدٌ السعادة التي يبغيها بعد زواجه؟ سؤال ظلّ يطاردني طويلًا وأنا أراقب صديقاتي وقريباتي، وأتذكّر تجربتي بمرارة. كنتُ أنا "المرأة الأخرى"، الوجه الخفيّ في حياة رجل متزوج.

كان يأتي إلى شقتي في ساعات مختلسة، يخلع همومه عند الباب، ويتقمّص دور العاشق الولهان. أعدّ له طعامًا يحبّه، يضحك، يغازلني، ثم يتركني مع بقايا آثاره. يصرف عليّ أحيانًا — نقود موسمية تكفي حاجتي ولا تكفي كرامتي — ثم يعود إلى بيته وزوجته وأولاده وكأنني نسيًا منسيا.

مرّت شهور. وفي لحظة صفاء، سألته:
– "لماذا لا نديم هذا الهناء، ما المانع في أن نتزوج؟ لماذا لا نجعل ما بيننا حلالًا في النور يراه كل الناس؟".
ابتسم ابتسامةً بلا معنى وتمتم:
– "لا تغيّري ما هو جميل... بمجرد ما أن أتزوجك تصبحين نسخة من زوجتي القابعة في البيت الآن!".

كان جوابه كصفعة. أدركت حينها أنني لستُ إلا مَهْربًا، أو "البديل المؤقت" لامرأته الأساسية.

مع الوقت اكتشفت أنني لا أحبه بصدق؛ إنما أتعلق بوهم وجوده المادي بجانبي. وحين يغيب، يتفجّر في داخلي غضب وكراهية له، بل لنفسي. كنت أراه ذا وجهين: رجلٌ وقور أمام المجتمع، وعاشقٌ مستهلك أمامي. وفي كل مرة كنتُ أنا الخاسرة وأنا المضحية.

ذات يوم، التقيت بوسيطٍ أمين يعلم ورطتي فنقل لي كلام شيخٍ لم يعرفني، لكنه عرف حالتي:
– "اعترافك بالورطة بداية التوبة. لا خلاص لك إلا بتركه، وبأن تملئي حياتك بالذكر والعبادة والعمل وخدمة الناس".

كلماته الكاشفة كنت في أشد الحاجة إليها، كحاجة الجسد المحموم للماء البارد. فهمت أنني غريبة عن نفسي، وأنني أعيش ضد فطرتي. الحلال هو الأصل، والحرام لا يجلب إلا وجعًا وتعاسة.

جلستُ تلك الليلة أكتب: "من يحبّك لا يستغلك، ومن يريدك لا يخبّئك." ثم بكيت طويلًا، وفي بكائي شعرت بشيء من الراحة والاطمئنان.

اليوم، اخترت طريقًا آخر. لم أعد أبحث عن رجلٍ ضعيف يختبئ من النور، ولا أنتظر وعود الليل التي تسيح في ضوء النهار. اخترت نفسي، وربي، وعملي. وأقول لكل امرأة: لا تقبلي أن تكوني ظلًّا في حياة أحد، فالظلّ سرعان ما يزول.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...