التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عودة الروح: حين نزلت "الرحمة" إلى بئر الضوء والتهوية



بقلم/ د. نجلاء الورداني

في ساعةٍ رماديةٍ بين الفجر والصحو، اخترق صمتَ البناية صوتٌ واهن، متقطع، كأنه استغاثة خرجت من حنجرةٍ أنهكها النداء.

لم يكن الصوت بشريًا، ومع ذلك لمس قلبه كما لو كان نداءً باسمه.

توقف الرجل عن حركته.

أغلق النافذة نصف إغلاق، وأصغى.

عاد الصوت، أضعف، لكنه أكثر إلحاحًا.......

صوت قطة عالقة في بئر الضوء والتهوية، ذلك الفراغ المنسي بين الجدران، حيث لا تصل الأقدام ولا تُرى الوجوه.

كان يمكنه أن يتجاهل الأمر.

أن يقنع نفسه بأن الطبيعة تعرف طريقها، وأن الموت جزء من النظام الكوني.

لكن شيئًا داخله تمرد على هذا المنطق البارد.

أمسك المصباح، ونظر إلى أسفل.

الجدران العالية بدت كأنها تضيق على نفسها، والظلال تتشابك كأصابع تتآمر على الإبصار.

وفي القاع، كانت القطة…

جسد صغير يرتجف، وعينان واسعتان تلمعان بالخوف، كمرآتين تعكسان وحدة العالم.

نزل الرجل بحذر، كل خطوة كانت اختبارًا لإيمانه بأن الرحمة فعلٌ لا يُؤجَّل.

كان بئر التهوية أشبه بفمٍ حجريٍّ ابتلع الكائن الضعيف، لكنه في الوقت ذاته كان امتحانًا صامتًا للإنسانية.

حين اقترب منها، لم تهرب.

وكأنها أدركت أن هذا الكائن الواقف أمامها لا يحمل خطرًا، بل وعدًا.

مدَّ يده، فارتعشت قليلًا، ثم استسلمت.

في تلك اللحظة، لم يكن رجلًا ينقذ قطة،

بل كان إنسانًا يعيد تعريف نفسه.

حين صعد بها إلى الأعلى، كان الضوء مختلفًا.

الهواء أخف.

والقلب… أكثر اتساعًا.

لفّها بقطعة قماش، وسقاها قليلًا من الماء، فبدأت الحياة تعود إلى جسدها الصغير ببطء، كما يعود الفكر الرائق بعد تشويش طويل.

نظر إليها وقال بصوتٍ حنون:

"لو تركتكِ، كنت سأفقد شيئًا في داخلي… لا يُعوَّض."

وفي المساء، حين علم الجيران بما فعل، لم يتحدثوا عن القطة فقط،

بل عن الرجل.

عن الفعل الصغير الذي أيقظ فيهم إحساسًا نائمًا.

هكذا انتقلت الرحمة من كائنٍ ضعيف إلى قلب إنسان،

ومن قلبٍ إنسان واحد… إلى بشرٍ كثيرين.

لِأَن الرحمة، حين تُمارَس، لا تبقى حالة فردية،

بل تصبح عدوى طيبة جميلة،

تُنقذ أكثر مما نتصور وتحيي الأمل في أرواح كثيرة..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...