التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هندسة الرأي العام


بقلم الدكتور أحمد عيسى 

استشاري العلاقات العامة والرأي العام بالمبادرة الرئاسية 


أعزائي القراء والباحثين والمعنيين بمتابعة الرأي العام وأصحاب المؤسسات والكيانات التي يزيد عدد موظفيها على عشرة آلاف موظف مما يؤكد ضرورة وجود جهاز علاقات عامة داخلية وخارجية قوي معني بمتابعة الرأي العام وتشكيله وتوجيهه بما يعود بالنفع على المؤسسة وتماسكها الداخلي، 


أهديكم خلاصة أبحاثي على مدار عشرين عام في مجال العلاقات العامة وبناء الرأي العام بما يخدم المؤسسات ويقوي جهازها المناعي تجاه أي أخطار محتملة أو شائعات مغرضة.


في البداية، دعونا نتعرف على معنى الرأي العام؛ وهو توجه معين لدى مجموعة من الناس تجاه قضية ما سلبا أو إيجابا، وبناءً عليه، تتحرك موجات الجمهور حسب نوع كل شريحة دعما أو تقويضا لهذه القضية موضوع الرأي العام.


وبعد دراسة مستفيضة، توصلت إلى أن هناك خمس أنواع من الجماهير النوعية تجاه كل قضية أو موضوع أو علامة تجارية، وهذه الأنواع الخمسة هى: 

المبادر، ونسبته الطبيعية 10% ، 

ورد الفعل، ونسبته 20% ، 

والمشاهد، ونسبته 40% ، 

والناقم، ونسبته 20% ، 

والحقود، ونسبته الطبيعية 10%.


ولن أعيد شرح تفاصيل هذه الشرائح النوعية الخمس، فيمكن لمن أراد تفاصيل هذه الشرائح الرجوع لمقالي المعنون بـ(العلاقات الجماهيرية صمام أمان المؤسسات).


وقبل أن نبدأ في شرح كيفية هندسة الرأي العام للمؤسسة، دعونا نتعرف على أنواع الرأي العام،..


إن الرأي العام عبارة عن ثلاثة أنواع رئيسية وهي:


الرأي العام التلقائي: وهو الذي لم يتم التخطيط له سواء من المؤسسة أو من الجمهور.


الرأي العام المخطط: وهو الذي تم التخطيط له وتحديد الخطوات المطلوبة منه.


الرأي العام المؤقت: وهو المرتبط بفترة زمنية معينة أو بقضية معينة، يظهر ثم يختفي من تلقاء نفسه.


وبعد معرفة الرأي العام وشرائح الجماهير النوعية ونسبها الطبيعية التي لا ينبغي أن يختل توازنها حتى لا يتسبب في خسائر فادحة للمؤسسات والكيانات، وأنواع الرأي العام، تعالوا بنا نتعرف على كيفية هندسة الرأي العام أو هندسة توجهات الجماهير النوعية وخاصة الداخلية قبل الخارجية، لأن تماسك الجماهير الداخلية يشكل مناعة قوية جدا تجاه عوامل انهيار المؤسسات خاصة أمام حروب الشائعات وما يسمى بالشائعات الرمادية نظرا لخطورتها بالمقارنة لباقي أنواع الشائعات.


وكلمة هندسة من أصل فعل هندس الشيء أي صممه وبناه على أسس علمية، وهندسة الرأي العام أي بناءه بشكل فني على أسس علمية.


ولكن هل هندسة الرأي العام مهمة؟


خلال الحرب العالمية الثانية، اتضح جليا مدى أهمية الرأي العام وتأثيره على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الحرب النفسية أو حرب الشائعات، مما ترتب عليه تخصيص كثير من الدول ميزانيات ضخمة لأجهزة العلاقات العامة وبدأ يظهر بوضوح مدى أهمية العلاقات العامة وأجهزة الرأي العام في تماسك الجبهة الداخلية وصمودها أمام أية أخطار تهدد المؤسسة أو الكيان الذي يعمل جهاز العلاقات العامة الداخلية لصالحه.


وذلك كان سببه سقوط كثير من الدول داخليا قبل انهزامها عسكريا بسبب فتك الشائعات بها، وباتت أجهزة العلاقات العامة هي جهاز الأمن الوقائي الذي يمثل الجهاز المناعي للدول والمؤسسات، كما أكد على ذلك العالم "كندال".

 

وإذا لم تهتم أجهزة العلاقات العامة الداخلية وتلعب باحتراف على هندسة الرأي العام؛ فإنها سوف تجد أن شريحة الجمهور المبادر في دعم المؤسسة سوف تختفي وتتحول لفئة الجمهور المسماة بـ "رد الفعل" وهي فئة نفعية تعمل على دعم المؤسسة فيما يعود على هذه الفئة من نفع، 


أما إذا غلب على ظنها عدم جدوى ما تقوم به من دعم المؤسسة، فلن تقدم أي دعم، ثم بعد فترة إذا ظلت أجهزة العلاقات العامة الداخلية على نفس المستوى من البلادة الفكرية في توجيه الرأي العام، فإن ما يقرب من نصف فئة الجمهور "رد الفعل " سوف يتحول لفئة الجمهور " المشاهد " لتصبح النسب صفر نسبة المبادر ، و10% نسبة "رد الفعل " و20% نسبة المشاهد، و40% نسبة الجمهور" الناقم " و30% نسبة الجمهور " الحقود "، وإذا لم تفق أجهزة العلاقات العامة الداخلية من سباتها العميق، فسوف تتغير النسب لتصبح صفر % نسبة المبادر وصفر % نسبة رد الفعل، 


وبمجرد اختفاء نسبة رد الفعل والذي كان يدافع عن المؤسسة حتى ولو بشكل نفعي، سوف يتم استقطاب الجمهور من فئة " المشاهد "، وبذلك يتعملق الجمهور " الناقم" وفئة الجمهور" الحقود" وعندها تكون بداية انهيار المؤسسة.


مما سبق، يتضح لنا أهمية عمل أجهزة العلاقات العامة الداخلية في الحفاظ على النسب الطبيعية لشرائح الجماهير النوعية الخمسة حتى تحافظ على توازن المؤسسة.


وفيما يلي سأشرح أهم الخطوات اللازمة على أجهزة العلاقات العامة الداخلية للحفاظ على النسب الطبيعية لشرائح الجماهير النوعية.


بدون التحفيز لفئة الجمهور "المبادر"؛ فإن السيناريو المرعب لاختفاء هذه الشريحة، ومن بعدها شريحة "رد الفعل" سوف يكون واقعا مريرا .


إذًا، لا بد من قياس الرأي العام بين الحين والآخر، لاكتشاف أي تغير يطرأ على نسب شرائح الجماهير النوعية، ومن ثم العمل على معالجة هذا التغير لإرجاع النسب كما كانت.


وهناك خمس قواعد أساسية ينبغي على أجهزة العلاقات العامة الداخلية بكل مؤسسة اتباعها للحفاظ على النسب الطبيعية سالفة الذكر وكذلك الحفاظ على تماسك المؤسسة، وإليكم هذه القواعد:


١-الشفافية والوضوح: إن توضيح ما يقع من أحداث وعدم ترك الضبابية تسيطر على المشهد يسهم بشكل كبير في القضاء على الشائعات، إذ إن الغموض يعد بيئة خصبة للشائعات، فلا تترك أي غموض يحيط بأمر ما في المؤسسة، لأنك سوف تبذل أضعاف ما يتم بذله في التوضيح.


٢- سياسة الباب المفتوح: ينبغي جعل يوم في الشهر أو الأسبوع يتم فيه اتباع سياسة الباب المفتوح، من القيادات العليا لصغار الموظفين، فلربما جاؤك من سبأ بنبأ يقين.


٣- المشاركة في صنع القرار: إن القرارات التي يتم أخذ رأي الجماهير فيها أو حتى طرحها للنقاش معهم تكون مدعومة جماهيريا بالمقارنة لتلك التي يتفاجأ الجمهور بها.


٤- لقاءات دورية للتواصل مع الجماهير : وهي تدعم عملية الولاء والانتماء للمؤسسة بما يزيد عن 55% من نسبة الولاء والانتماء للمؤسسة، وكما يقول المثل المصرى "البعيد عن العين، بعيد عن القلب".


٥- أخبرهم بمنحنيات الطريق: إن في إطلاع الجماهير على المعوقات والتحديات التي تواجه القيادة، تجعل الجماهير تثق في القيادة وتتأكد من قوتها، إذ أنه عندما تكون القيادة ضعيفة وهشة، فإنها تخشى من إخبار الجماهير بالتحديات خوفا من فقد ثقة الجماهير فيها.


وبهذه الخمسة نكون قد وصلنا لنهاية بحثنا بخصوص هندسة الرأي العام.. وإلى اللقاء في بحث آخر إن شاء الله، وموضوع جديد يمثل أهمية لكتلة الرأي العام القومي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...