التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرح الرقمي والصراع الرمزي: قراءة سوسيولوجية لفرح كروان مشاكل على منصات التواصل الاجتماعي


بقلم د. نجلاء الورداني


شهدت الساحة الرقمية خلال الفترة الأخيرة جدلًا واسعًا حول أحد الأفراح التي تحولت من مناسبة اجتماعية خاصة إلى حدث عام متداول على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ولم يكن هذا الجدل نابعًا فقط من تفاصيل الفرح ذاته، بل من الكيفية التي جرى بها استقباله، إعادة إنتاجه، التفاعل معه جماهيريًا.

وتثير هذه الظاهرة تساؤلات سوسيولوجية جوهرية حول تحوّل طقوس الفرح، وحدود الخصوصية، ودور السوشيال ميديا في إعادة تشكيل المناسبات الاجتماعية، حيث لم يعد الفرح حدثًا عائليًا مغلقًا، بل أصبح عرضًا جماهيريًا يخضع لمنطق المشاهدة، والتقييم، والسخرية، وفي بعض الحالات لإعادة إنتاج سلوكيات سلبية.

توصيف الظاهرة وسياقها الرقمي:
برز اسم كروان مشاكل في الفضاء الرقمي ليس بوصفه شخصية عامة تقليدية، بل نتيجة ارتباطه بحدث اجتماعي جرى تداوله بكثافة.

وما ميّز هذا الفرح لم يكن حجمه أو تفاصيله فقط، بل الطريقة التي تم توثيقه بها، والاعتماد المكثف على الفيديوهات القصيرة التي أُعيد نشرها وتفكيكها خارج سياقها الأصلي.

وقد لعبت هذه الفيديوهات دورًا محوريًا في صناعة (التريند)، حيث تحولت لقطات محددة إلى رموز قابلة للسخرية أو الإعجاب، وتم تداولها بمعزل عن بعدها الإنساني والاجتماعي، ما أسهم في تضخيم الحدث وتحويله من مناسبة اجتماعية إلى مادة للنقاش العام، وأحيانًا إلى منصة لتقليد السلوكيات غير اللائقة.

الفرح بوصفه طقسًا اجتماعيًا في المجتمع الرقمي
من منظور سوسيولوجي:

يمكن النظر إلى الفرح بوصفه طقسًا اجتماعيًا يعكس القيم السائدة، والهوية الطبقية، وأنماط التعبير الثقافي داخل المجتمع.

ويذهب إميل دوركايم (Émile Durkheim) إلى أن الطقوس الاجتماعية تؤدي وظيفة تكاملية تتمثل في تعزيز التضامن الاجتماعي وإعادة إنتاج القيم الجمعية. إلا أن الفرح، في سياق المجتمع الرقمي، لم يعد يؤدي هذه الوظيفة بالمعنى التقليدي، بل شهد تحولًا من ممارسة أسريّة مغلقة إلى عرض مفتوح موجّه لجمهور رقمي واسع، حيث انتقل التعبير عن السعادة أحيانًا إلى مشاهد استعراضية مبالغ فيها، واستخدام لغة أو سلوكيات يُنظر إليها كابتذال اجتماعي أو تجاوز للمعايير الأخلاقية المتعارف عليها.

ويتقاطع هذا التحول مع طرح إرفن غوفمان (Erving Goffman) حول (إدارة الانطباع)، إذ لم يعد الأداء الاجتماعي موجّهًا إلى دائرة اجتماعية محدودة، بل إلى جمهور غير متجانس، ما أدى إلى تصعيد الاستعراض وتحويل الفرح من تعبير عفوي إلى سلوك قابل للتقييم المستمر، أحيانًا على حساب القيم المجتمعية، خاصة عندما يظهر التحريض على سلوكيات غير لائقة مثل التحرش، أو تقليد نماذج سلوكية غير مناسبة للمعايير الثقافية.

الذوق، التميّز، والصراع الرمزي (بورديو):

يكشف الجدل المجتمعي المصاحب للظاهرة، من منظور بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، عن صراع رمزي حول (الذوق المشروع)، حيث عكس خطاب الرفض آليات تمييز طبقي وثقافي تُستخدم فيها معايير الذوق لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية.

فالنقد لم يكن موجّهًا للفرح ذاته فقط، بل للصور والسلوكيات التي خرجت عن الإطار الأخلاقي المقبول، بما في ذلك الابتذال الاجتماعي، والتصرفات الاستعراضية المبالغ فيها، وانتشار نماذج غير لائقة يمكن أن تُقلّدها الأجيال الشابة، ما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الفضاء الرقمي في ضبط حدود التعبير.

السوشيال ميديا وصناعة الحدث في المجتمع الشبكي:

في إطار المجتمع الشبكي كما يطرحه مانويل كاستلز (Manuel Castells)، لم تعد أهمية الحدث الاجتماعي تُستمد من مضمونه أو سياقه، بل من قابليته للانتشار داخل الشبكات الرقمية.

وقد أسهمت خوارزميات المنصات في تضخيم المحتوى الأكثر إثارة للجدل، بغضّ النظر عن قيمته الاجتماعية، كما عزز اقتصاد المشاهدات من انتشار الفيديوهات المثيرة للجدل أو التي تظهر سلوكيات غير لائقة.

وتؤدي السخرية دورًا مركزيًا في الانتشار، حيث تصبح أداة لإنتاج التفاعل والانتباه، حتى وإن كان ذلك على حساب تعزيز القيم الاجتماعية، أو تشجيع ممارسات مجتمعية غير مقبولة مثل التحرش أو التقليد السلبي.

الانقسام المجتمعي وخطابات التلقي:

كشف التفاعل مع الظاهرة عن انقسام واضح بين خطابين رئيسيين:
خطاب التأييد الذي يرى في الفرح تعبيرًا مشروعًا عن السعادة وحقًا للأفراد في الاحتفال وفق تصوراتهم الخاصة،

وخطاب الرفض الذي اعتبر الحدث مظهرًا من مظاهر الابتذال الاجتماعي أو الاستعراض الطبقي،إضافة إلى النقد المباشر للسلوكيات غير اللائقة.

وتعكس هذه الانقسامات صراعًا ثقافيًا أوسع حول حدود الذوق العام، وأنماط التعبير المقبولة، ودور السوشيال ميديا في إعادة تعريف المعايير الاجتماعية.

تحوّل طقوس الفرح وحدود الخصوصية:

تكشف هذه الظاهرة عن تحولات بنيوية عميقة في المجتمع المعاصر، حيث أصبحت طقوس الفرح خاضعة لمنطق العرض الرقمي والتفاعل الجماهيري، ولم تعد الخصوصية حدًا فاصلًا واضحًا بين المجالين العام والخاص.

كما تطرح الظاهرة تساؤلات حول مستقبل القيم الاجتماعية وأخلاقيات الفضاء الرقمي:

هل نحن أمام تحوّل مؤقت فرضته المنصات الرقمية، أم أمام نمط دائم لطقوس الفرح يعكس انتقال المجتمع من بنيته المحلية التقليدية إلى المجتمع الشبكي، مع تحديات واضحة تتعلق بالابتذال والتحرش وإعادة إنتاج نماذج سلوكية غير لائقة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...