التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فاطمة رشدي.. عدسة تجاوزت الصمت وفضحت التقاليد


بقلم د. نجلاء الورداني


تُعدّ الفنانة فاطمة رشدي من أبرز رائدات الفن المصري في النصف الأول من القرن العشرين، إذ لم تقتصر أهميتها على ريادتها المسرحية والسينمائية، بل امتدت إلى الدور الاجتماعي الذي حملته أعمالها، حيث عكست تحولات المجتمع المصري وقضاياه البنيوية، خاصة ما يتعلق بموقع المرأة داخل منظومة اجتماعية يهيمن عليها الطابع الأبوي والاختلال الطبقي.

وُلدت فاطمة رشدي عام 1908، ونشأت في بيئة شعبية تركت أثرًا واضحًا في اختياراتها الفنية، فالتحقت بفرقة جورج أبيض وتشرّبت تقاليد المسرح الجاد، مما منح أداءها عمقًا إنسانيًا وقدرة على تجسيد الصراعات النفسية والاجتماعية. وقد انتقلت هذه الخبرة إلى السينما، فكانت أفلامها بمثابة نصوص اجتماعية مرئية تعبّر عن واقع المجتمع المصري في مرحلة التحول.

مؤسسة الزواج والضبط الاجتماعي: فيلم الزواج (1933)

يقدّم فيلم الزواج رؤية نقدية لمؤسسة الزواج، حيث يظهر بوصفه إطارًا اجتماعيًا تحكمه الأعراف والمصالح العائلية أكثر مما تحكمه إرادة الفرد. وتُصوَّر المرأة داخل هذا الإطار كطرف خاضع، تُفرض عليه اختيارات لا تعكس رغباته الذاتية. ويمكن قراءة هذا الطرح في ضوء مفهوم الضبط الاجتماعي عند إميل دوركايم، الذي يرى أن المجتمع يمارس سلطته عبر المؤسسات للحفاظ على تماسكه. ويكشف الفيلم أن هذا الضبط كثيرًا ما يُمارَس على حساب النساء، وهو ما يجعل القضية المطروحة ممتدة في الزمن، حيث تتكرر أنماط التحكم الاجتماعي بأشكال مختلفة.

الفقر والصراع الطبقي: ثمن السعادة والعزيمة

في فيلم ثمن السعادة (1938)، تُطرح معاناة المرأة في سياق اقتصادي ضاغط، حيث تصبح السعادة مرهونة بالتنازل أو القبول بشروط اجتماعية غير عادلة. ويبرز هنا العامل الطبقي بوصفه محددًا أساسيًا للمصير الاجتماعي، وهو ما يتقاطع مع نظرية الصراع عند كارل ماركس، التي تفسر الظواهر الاجتماعية في إطار علاقات القوة وعدم التكافؤ.

ويتكامل هذا الطرح مع فيلم العزيمة (1939)، الذي عالج قضايا الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية في الأحياء الشعبية، موضحًا كيف تؤدي الظروف الاقتصادية القاسية إلى إعادة تشكيل القيم والسلوكيات. وتُبرز هذه الأعمال أن الانحراف أو التنازل الأخلاقي ليس سلوكًا فرديًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لبنية اجتماعية واقتصادية غير متوازنة.

الوصم الاجتماعي والرقابة الأخلاقية: الطائشة

يُعد فيلم الطائشة (1935) نموذجًا واضحًا لكيفية ممارسة المجتمع لرقابته الأخلاقية على المرأة، حيث تُوصم البطلة اجتماعيًا لمجرد خروجها عن الأدوار التقليدية المتوقعة منها. ويتقاطع هذا الطرح مع نظرية الوصم الاجتماعي لهوارد بيكر، التي ترى أن المجتمع هو من يُنتج صفة “الانحراف” من خلال أحكامه وردود أفعاله. ويُظهر الفيلم كيف تتحول الأخلاق إلى أداة للسيطرة، وهو نمط لا يزال حاضرًا في المجتمعات المعاصرة وإن اتخذ أشكالًا جديدة.

المرأة والريف والهيمنة الثقافية: بنات الريف

في فيلم بنات الريف (1945)، تنتقل فاطمة رشدي إلى معالجة أوضاع المرأة الريفية، كاشفة عن تداخل التمييز الجغرافي مع الهيمنة الذكورية. ويُظهر الفيلم كيف تُقيد التقاليد فرص الفتيات في التعليم والاختيار، ما يعكس فجوة تنموية وثقافية بين الريف والحضر. ويمكن فهم ذلك في إطار تحليل الثقافة الأبوية بوصفها بنية ممتدة تتجاوز المكان والزمان.

قراءة نسوية في مجمل التجربة الفنية

تسمح أعمال فاطمة رشدي بقراءة نسوية مبكرة، تتقاطع مع أطروحات سيمون دي بوفوار التي أكدت أن المرأة تُشكَّل اجتماعيًا وفق أدوار مفروضة. فقد جسّدت رشدي في أفلامها امرأة تصطدم بالحدود التي يرسمها المجتمع لجسدها واختياراتها، ما يجعل تجربتها الفنية شهادة مبكرة على مقاومة القيود الرمزية.

ومجملا، تمثل أفلام فاطمة رشدي سجلًا بصريًا غنيًا لفهم التحولات الاجتماعية في المجتمع المصري، حيث تكشف عن آليات الضبط الاجتماعي، والصراع الطبقي، والوصم، والهيمنة الأبوية. ولا تكمن أهمية هذه الأعمال في بعدها التاريخي فحسب، بل في قدرتها على إظهار استمرارية القضايا الاجتماعية في صور متجددة، مما يجعل تجربة فاطمة رشدي نموذجًا دالًا على التفاعل العميق بين الفن والبنية الاجتماعية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

رأس المال الاجتماعي للمرأة

بقلم/ دلال عبد الحفيظ تحاول العديد من منظمات المجتمع المدني تبني إستراتيجيات تنموية من شأنها القيام بدور بارز في التحول من أهداف تحسين الحياة النوعية للنساء والحرفيات إلى تعزيز الميزة التنافسية والصورة الذهنية لمنظمات الأعمال والمستثمرين ورجال الأعمال من جماعات المصالح ذات الشراكات المتبادلة مع الشركات والمؤسسات المعنية.  لذا، كان لزامًا اتجاه مؤسسات الأعمال نحو تدريب المنتجين على مضاعفة الصادرات، وزيادة عدد ونوع عملاء المنظمة، والانفتاح الواسع علي الأسواق العالمية المتطورة، وتعزيز شراكات العمل، ومن ثم تجسيد الارتباط بين قوة رأس المال الاجتماعي من جانب وبين تنمية شبكة الأعمال الدولية، وترويج العلامة التجارية لمنظمات المجتمع المدني، وتنمية رأس المال الإنساني لصغار المنتجين. ونستعرض في السطور الآتية بعض النماذج التطبيقية الناجحة لاتباع مثل هذه المبادرات الجامعة بين المزيجين النظري والعملي؛  فبالتطبيق علي مؤسسة CHOL-CHOL التشيلية، جاءت مبادرة توظيف النساء الحرفيات في إنتاج منسوجات عالية الجودة بالأنماط التقليدية والشعبية القديمة لمواطني مدينة"مابوتشو"، وارتكزت الإستراتيجية على ج...

رسالة دكتوراة توصي بالتوطين المحلي لصناعة السيارات

حصل الباحث محمد جمال عبد الناصر؛ المدرس المساعد بقسم إدارة الأعمال، بكلية التجارة جامعة عين شمس على درجة دكتور الفلسفة في إدارة الأعمال؛ مع التوصية بتداول الرسالة مع الجامعات الأخرى، وذلك عن رسالته بعنوان "توسيط المسئولية الاجتماعية والتسويق الأخضر في العلاقة بين أخلاقيات الشركات المدركة والولاء للعلامة (دراسة ميدانية)" وتشكلت لجنة الحكم والمناقشة من الدكتور عبد القادر محمد، أستاذ التسويق بكلية التجارة جامعة المنصورة وعميد كلية التجارة جامعة المنصورة الجديدة" رئيسًا "، والدكتورة جيهان عبد المنعم، أستاذ التسويق بكلية التجارة ، ومستشار نائب رئيس جامعة عين شمس لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة" مشرفًا"، والدكتورة عزة عبد القادر، أستاذ التسويق بكلية التجارة جامعة عين شمس" عضوًا"، والدكتورة حنان حسين، مدرس إدارة الأعمال بكلية التجارة بجامعة عين شمس" مشرفًا مشاركًا". وأجرى الباحث دراسته بالتطبيق على المشتركين في مبادرة تحويل وإحلال المركبات للعمل بالطاقة النظيفة، موصيًا  بأهمية العمل على زيادة المكون المحلي في السيارات داخل مبادرة الإحلال؛ بما...