التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة تركيب عداد


بقلم د. نجلاء الورداني

لم تكن ذاهبة لتدفع فاتورة كهرباء فقط، بل كانت ذاهبة لتُثبت أن الله لم يتركها وحدها بعد.

امرأة عجوز، انحنى ظهرها تحت ثقل السنين، وتحولت خطواتها إلى عدٍّ بطيء على رصيف الحياة. كانت تمسك شنطتها القديمة بإحكام، كأنها تخشى أن تسقط منها الأيام قبل أن تسقط النقود.

في داخل الشنطة لم تكن هناك أوراق مالية فحسب، بل خوف مؤجل، ودعاء طويل، وصبر تعلمته من البيوت التي عاشت فيها بلا عدّاد، وبلا شكوى، وبلا ترف الاعتراض.

كانت تعرف أن ما تحمله هو آخر ما تملكه، ومع ذلك مضت.

في شركة الكهرباء، وقفت في الطابور صامتة. الوجوه حولها متشابهة، لكن قلبها وحده كان ممتلئًا بالرهبة. كل دقيقة تمر كانت سؤالًا مفتوحًا: هل تكفي؟ هل تُقبل؟ هل تنتهي هذه الرحلة اليوم؟

حين جاء دورها، أخرجت النقود بيدٍ ترتجف لا من الشيخوخة وحدها، بل من ثِقل المسؤولية. دفعتها إلى الموظف، ثم انتظرت.

ذلك الانتظار القصير كان أطول من عمرها كله.

قال الموظف أخيرًا:

"كده تمام يا حاجة، اتفضلي".

لم تبتسم فورًا.

أعادت الفلوس الباقية إلى الشنطة أولًا، وكأنها تخشى أن يبدّد الفرح ما تبقى من التماسك. ثم رفعت رأسها قليلًا، لا لتشكر الموظف، بل لتشكر السماء. همست:

"الحمد لله… ربنا سترها".

لم تكن تركب عدّاد كهرباء فقط، كانت تركّب طمأنينة.

كانت تثبّت حقًا بسيطًا طال انتظاره: أن يكون لها نور ثابت، لا يستعير الضوء من الآخرين، ولا يعيش على الاحتمال.

خرجت وهي تضم شنطتها إلى صدرها.

لم يكن فيها مال كثير، لكن كان فيها يقين كافٍ ليكمل الطريق.

ومشت… كما يمشي من دفع ثمن الكرامة، ونجا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...