التخطي إلى المحتوى الرئيسي

اضطراب


 

قصة قصيرة

بقلم: عبد الرحمن هاشم

 

نظر في يومياته يراجع عامًا مضى بأفراحه وأحزانه، فوجد أنه تعرّف عليها في موسم الحج بمكة، والتقى بها مرة ثانية في المركز الصحي بالمدينة.

 

أما المرة الثالثة، فكانت في القاهرة، بعد شهرين من آخر لقاء.

 

في هذه المرة، وبعد انتهاء الاحتفالية التي دُعيا إليها، أصرّت على الانفراد به لتبثه عواطفها نحوه. أشفق عليها من التمادي في أمرٍ لا يرحم، وأخبرها بوضوح أن ما تعانيه—إن كان حبًا—فهو من طرف واحد، أو حالة اضطراب نفسي تحتاج إلى طبيب.

 

عجبت من صراحته، وقالت هامسة:

— أنت طبيبي!

 

خشي أن تفسد عليهما الحج، فردّ بصدق:

— أَنَتَّبِعُ الشيطان بعد أن رجمناه؟

 

لم تستسلم لمنطقه، وتمادت خالعة نقاب الحياء:

— أشعر بسعادة حقيقية في جوارك… لمست ذلك في كل لقاء سابق، وها هي سعادتي تتجدد الآن، على نحو لا يمكن أن تحسّه إلا إذا اقتربتَ مني.

 

انقبض صدره انقباضًا ثقيلاً، وتيقّن أنها في حالة لا ينفع معها الصدام، فلجأ إلى المداراة حتى تمضي في سبيلها. ثم تذكّر أمرًا لعلها غافلة عنه، فقال:

— في هذه الحالة لا يصح إلا الصحيح… الزواج!

— لكني، لسوء حظي، متزوجة، بل أصبحتُ جدة منذ شهرين!

— وأنا كذلك متزوج.

— إذن، فلا أقل من أن تسعدني بالسماح لي برؤيتك والجلوس معك!

 

لاذ بالصمت، فهَمست:

— لا تؤاخذني… لقد فكرتُ، أول ما رأيتك اليوم، في معانقتك!

 

قال، وهو في منتهى التعجب:

— وما الذي منعك؟

— الناس!

— يبدو أنك تُصرّين على إفساد حجّتك!

— نحجّ مرة ثانية ونكون معًا!

— كيف تطوفين وقلبك معلّق بغيره؟

— سأحلّ لك يومًا… إنني على يقين!

 

ذهل. أدرك من فوره أن التمادي مع هذه المرأة يورّطه لا محالة. تماسَكَ متظاهرًا بالارتياح، وتمتم:

— ما المطلوب مني الآن؟

— أن تحدد لقاءً آخر، في المكان الذي تحبه.

 

تريّث قليلًا، ونظر في عينيها مباشرة. تلفّع بالمداراة ليختبرها، فمال وهمس في أذنها:

— متى خرج زوجكِ، أرسلي إليّ لأصعد إليك.

 

فردّت بتلقائية مدهشة:

— يا لهوتي… زوجي يذبحني ويذبحك!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...