قصة
قصيرة
بقلم
عبد الرحمن هاشم
كنت
أتعجب من حياتي معه، وكيف كانت قسمتي فيها.
لم يكن
يحبني ويحترمني فقط، بل كان يتعامل معي وكأنني خُلقت خصيصًا لإسعاده، وفُصِّلت له
تفصيلاً.
لم
أكن الأجمل، ولا الأذكى، ولا الأغنى.. وحتى اليوم لا أعرف لماذا
اختارني من بين نساء كثيرات.
كان
يعود من عمله، فيصلي ثم ينام، ولا يتناول طعامه إلا بعد أن يستيقظ، وعندما كنت أهم
بفتح أي موضوع يدقق النظر في عيني فأخفضها مباشرة حياء منه ورهبة في الوقت نفسه.
أضناه
عمله المتعب، وتأقلمت مع ظروفه التي جعلته حاد المزاج لدرجة اتهامي من أقاربي
بأنني امرأة باردة؛ مرة من أمي ومرة من أختي ومرة من جارتي.
كنت
أضع كوب الماء إلى جواره وأغادر الغرفة وكان يشكرني بابتسامة.
في
السنة الأولى من زواجنا لم أكن قد تفهمت طباعه وكاد يقع طلاق.
كنا
مختلفين في المزاج والطبع والصفات. هو دقيق في عمله، صامت في بيته. وأنا ثرثارة
بطبعي، أجد راحتي في زيارة صديقاتي.
لم
يحاول أحدنا أن يعيد تشكيل الآخر؛ ترك كلٌّ منا للآخر مساحته، فعاش كلٌّ منا كما
هو، وأحب الآخر كما هو.
لم
أكتشف سر مرضه إلا وقت أن غاب عن البيت شهرا يعالج فيه ولما عاد لم يجد مناصًا من
إخباري بالحقيقة المروعة.
لكن ما
يريحني تكرار قوله لي في أيامه الأخيرة وهو يدقق النظر في عيني مباشرة:
— لم
يخطر على بالي يومٌ أن امرأة يمكن أن تحتويني.. لكنك فعلتِ ونجحتِ!
ثم يبتسم
ويضمني إلى صدره ويقبل جبيني.
كان يراني
النسمة الرطبة وكوب الماء البارد في حر الصيف.
وكنت
أراه الثوب الذي يزينني ويسترني ويحميني من برد الشتاء وحر الصيف، بل وعوادي
الأيام.
****
— أما
أنا، فلو قابلني رجل مثل زوجك -يرحمه الله- وأراد الزواج بي، فسأرفض.
—
لماذا؟
— لأنه
سيريدني أن أكرّس حياتي كلها له… ألَّا يكون لي اختيار مع اختياره... وأنا أريد أن
أعيش أيضًا.
نظرتُ
إليها وابتسمت.
وعندما
انصرَفتْ، جلست في مقعده ذاته، كان المقعد واسعًا عليَّ.
وضعت
فنجان القهوة، وانتظرت
صوت خطواته في الممر..
فلم أسمع
إلا الصمت.
ثم
نهضت إلى المطبخ، وعدت بكوب ماء.
وضعته
إلى جوار الفنجان.
وظللت
أحدق فيه طويلًا.
تعليقات
إرسال تعليق