قصة قصيرة
بقلم عبد الرحمن هاشم
كنت أتعجب من حياتي، وكيف كانت قسمتي فيها.
زوجي الرجل المهم لم يكن يحبني ويحترمني فقط، بل كان يتعامل معي
وكأنني خُلقت خصيصًا لإسعاده، وفُصِّلت له تفصيلاً.
ولم أكن جميلة على نحو لافت، ولا صاحبة مواهب استثنائية، ولا أملك
مالًا خاصًا؛ مجرد شهادة جامعية عادية… وحياة عادية.
لكن السر تكشف لي حين اعتكفت في البيت حدادًا عليه.
لم يكن يحب أن أحدثه فور دخوله، ولا أن ألاحقه بأسئلة أو عتاب؛ كان
يكرر لي القول:
— ما في عقلكِ يظهر في عينيكِ… وما في
باطنكِ يخرج في قولكِ.
لم أكتشف سر حبّه في لحظة بكاء، بل في ذكرى صغيرة كنت أظنها عابرة.
كان يعود من عمله متعبًا، يخلع سترته الرسمية بعناية، ويجلس في مقعده
القريب من النافذة.
كنت أضع له فنجان القهوة على الطاولة الصغيرة، وأتركه وحده.
مرّت سنوات وأنا في حيرة لدرجة أنني ظننت أنني أتجاهله، وأنني لم
أجلس معه كما ينبغي لزوجة محبة لزوجها.
وفي إحدى الليالي قال لي فجأة:
— أنتِ المرأة الوحيدة التي لا تقتحم صمتي.
ثم ابتسم وأضاف:
— لهذا أفهمك… ولهذا تفهمينني.
لم أكن أفهم عمق العبارة آنذاك.
كنا مختلفين في المزاج والطبع والصفات. هو صاخب في عمله، صامت في
بيته. وأنا هادئة بطبعي، أجد راحتي في زيارة صديقاتي.
لم يحاول أحدنا أن يعيد تشكيل الآخر أو يصادم مزاجه.
لم يطلب مني أن أكون نسخة من نفسه، ولم أطلب منه أن يتخلى عما هو
عليه.
كان يقول إنني جدارٌ يستند إليه.
وأنا كنت أراه نافذةً تدخل منها نسمةٌ رطبة في قيظ النهار.
وحين مات، جلست في مقعده ذاته، كان المقعد واسعًا عليَّ، وضعت فنجان
القهوة أمامي كما كنت أفعل له.
أدركت فجأة أن سرّنا لم يكن في شدة الحب، بل في تلك المسافة الآمنة
التي تركها كل منا للآخر.
كنا مختلفين… فبقينا.
— أما أنا، فلو قابلني رجل مثل زوجك -يرحمه الله- وأراد الزواج بي،
فسأرفض.
— لماذا؟
— لأنه سيريدني أن أكرّس حياتي كلها له… ألَّا يكون لي اختيار مع
اختياره... وأنا أريد أن أعيش أيضًا.
نظرتُ إليها طويلًا.
لم أقل شيئًا.
فبعض الناس يظنون أن الحب امتلاك،
وبعضهم يعرف أنه نسمة رطبة.
تعليقات
إرسال تعليق