بقلم/ د. نجلاء الورداني
لم يكن المرض الذي أصابها عابرًا، ولم يكن الطريق الذي سارت فيه سهلًا. كان مرضًا صعبًا، يعرف كيف يختبر الجسد ويستنزف القوة، لكنه لم يستطع يومًا أن ينتزع منها جديتها ولا ابتسامتها. كانت تمشي بيننا وكأنها تُدرِّبنا على الصبر، وتُعلِّمنا — دون خطبة — كيف يمكن للإنسان أن يكون قويًا وهو يتألم.
في الأيام المباركة التي نعيشها الآن، أيام الفضل والصفاء، رحلت. وكأن السماء اختارت لها توقيتًا يليق بنقاء قلبها. رحلت بهدوء يشبه هدوءها، وتركَت في القلب ضجيجًا لا يهدأ.
كانت جادة في عملها، دقيقة في كلماتها، صادقة في مشاعرها. لم تكن من الذين يشتكون كثيرًا، ولا من الذين يعلنون وجعهم. كانت تُخفي ألمها خلف ابتسامة ثابتة، ابتسامة لا تُنكر الألم، لكنها تتجاوزه. وكأنها كانت تقول لنا: “الحياة تُعاش رغم كل شيء.”
حين نفكر في الموت، نظنه حدثًا بعيدًا، فكرة فلسفية نتداولها في الكتب أو في قاعات الدرس. لكن حين يمرّ الموت من باب بيتنا، أو يخطف صديقة شاركتنا تفاصيل العمر، يتحول من مفهوم إلى زلزال داخلي. الموت ليس فقط نهاية حياة، بل إعادة تعريف للحياة نفسها. فجأة ندرك هشاشتنا، ونفهم أن كل لحظة عشناها مع من نحب كانت نعمة صافية.
الموت لا يأخذ الغرباء أولًا، بل يختبرنا في الغاليين. يأخذ الذين اعتدنا وجودهم، الذين كنا نظن أن حضورهم بديهي. ومع كل رحيل، يُعلِّمنا درسًا قاسيًا: أن الحياة ليست مضمونة، وأن الحب يجب أن يُقال، وأن الامتنان يجب أن يُعاش، لا أن يُؤجَّل.
رحيلها أعاد ترتيب ذاكرتنا. صرنا نستدعي ضحكاتها، كلماتها، مواقفها الصغيرة التي لم نكن نمنحها حقها من التأمل. اكتشفنا أن الحياة التي عشناها معها كانت أجمل مما ظننا، وأن البساطة التي شاركتنا إياها كانت ثروة لا تُشترى.
الفراق موجع، نعم. وجع يشبه فراغًا مفاجئًا في مكان كان عامرًا. لكن في عمق هذا الوجع، هناك امتنان. امتنان لأننا عرفناها. لأننا شاركناها زمنًا من أعمارنا. لأن حضورها مرّ بنا وترك فينا أثرًا لن يمحوه الغياب.
الموت لا يستطيع أن يأخذ الذكرى، ولا أن ينتزع الأثر. قد يغيب الجسد، لكن القيم التي عاش بها الإنسان تظل تتردد فينا. جديتها، صبرها، ابتسامتها في وجه الألم — كل ذلك أصبح الآن ميراثًا معنويًا نحمله عنها.
ربما كانت رسالتها الأخيرة لنا أن نعيش بصدق، أن نبتسم رغم التعب، أن نكون جادين في الخير، وأن ندرك أن كل يوم هو فرصة لا تُؤجَّل.
رحمها الله رحمة واسعة، وأبقى في قلوبنا نور ذكراها ما بقينا.
تعليقات
إرسال تعليق