بقلم الناقدة الأدبية
د. نجلاء الورداني
تقدّم قصة "داير" المنشورة بموقع العالم اليوم نيوز (https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2025/11/blog-post_27.html) للكاتب عبد الرحمن هاشم، نصًّا سرديًّا مكثفًا يلتقي فيه الواقعي بالروحاني، ويتجاور فيه الهامشيون مع الأولياء، في إطار حكائي يطرح أسئلة عميقة حول العدالة والرحمة والخلاص.
فهي ليست مجرد حكاية عن لصّ يتوب، بل نصّ محكم يقرأ المجتمع المصري من زاوية الفضاءات الدينية الشعبية، ويعيد تقديم صورة الإنسان الهشّ الذي يبحث عن مأوى روحاني ينقذه من العتمة.
منذ الوهلة الأولى يعرض الكاتب بطله "داير" بوصفه شخصية مهمّشة، نتاجًا لغياب الأسرة وضغوط الشارع ومأوى لا يرحم . ليس شريرًا بالفطرة، بل مكسورًا وفاقدًا للسند، يسرق لا رغبة في الجريمة بل دفاعًا عن بقائه.
غير أن القصة لا تكتفي بتقديم خلفيته الاجتماعية، بل تبني شخصيته عبر استرجاع يقف عند حادثة ماضية في القطار، تبرز قسوة المجتمع في التعامل مع المهمّشين وتكشف مفارقة لافتة: "القطارات غادرة… أمّا المساجد فرحمة". بهذه الجملة يضع الكاتب تصوّره للعالم: فضاءات دينية حانية، وأخرى مدنية قاسية.
يتحوّل المسجد في النص من مكان للسرقة إلى مجال لولادة الروح. فمع دخول داير مسجد ومقام سيدي عبد القادر في مينا البصل، يبدأ التحوّل الداخلي عبر مشاهد مكتوبة بعناية. أولها لحظة سماع تلاوة الشيخ المنشاوي لآيات العذاب، التي تهزّ كيان البطل، ثم حادثة نشل أخرى تجري أمامه، ليفاجئ القارئ بأن اللص يلتقط اللص. إنها مفارقة درامية دقيقة، تكشف أن شخصية داير تحمل بذور الخير رغم ظلام حياته.
القصة تبلغ أوجها حين يسمع داير حكاية عن الشيخ الراحل الذي رفض ترهيب رجل خان أمانة مال الفقراء، قائلاً: "الدنيا كلها لا تساوي أن تُرعبوا أخاكم".
هذه الجملة ليست تفصيلاً سرديًّا عابرًا، بل مفتاحًا فكريًا لرسالة القصة كلّها: أن الرحمة أعمق أثرًا في النفوس من العقاب. وبفضل هذا المزيج من التلاوة، والحضرة، والسرد الروحاني، يجد داير نفسه يدخل الضريح في لحظة صوفية نادرة، يقرأ الفاتحة وكأنه يودّع عمرًا سابقًا.
لا يخلو النص من أبعاد رمزية واضحة؛ فالقطار يمثّل الفوضى والقسوة، بينما المسجد والضريح يمثلان المطهر الروحاني والاحتواء.
وتأتي عبارة "لا تُسافر" في الرؤيا لتؤكد اكتمال التحوّل: إنها دعوة للبقاء، لا في المكان فحسب، بل في الطريق الجديد. هكذا ينتقل داير من متسكع في المدن إلى خادم للضريح، يكنس ساحته قبل الفجر، كأنّه يطفئ بجهده الطويل نار خطاياه القديمة.
قوة القصة أنها تُعيد طرح مفهوم العدالة برؤية مغايرة: فالعقاب لم يصلح داير، بل زاد خوفه وتيتمه؛ بينما الرحمة والصفح والصوت الروحي الداخلي أعادوا إليه إنسانيته.
هي قصة تحفر في طبقات النفس البشرية، وتؤكد أن الهامشيين ليسوا حالة ميؤوسًا منها، وأن الفضاءات الدينية الشعبية—المساجد، الأضرحة، الحضرات—ما تزال تلعب دورًا اجتماعيًا يرمّم الأرواح قبل الأجساد.
لغة عبد الرحمن هاشم جاءت رقيقة خفيفة الظل، مشحونة بالإيحاء العطر المنير، تجمع بين السلاسة والعمق، وتستعير من الشعر قدرة على توليد الصور والمجاز.
وتبقى العبارة الأعمق في النص: "وكأنه يقرأ الفاتحة على عمرٍ مضى"، فهي تلخّص ببراعة فكرة الخلاص التي تنهض عليها القصة، كما جعل عبدالرحمن هاشم قصته بلا زمان ليعطيها صفة الديمومة، لتصبح قصة كل مكان وكل زمان.
"داير" ليست مجرد قصة عن توبة لصّ؛ إنها تأمل في هشاشة الإنسان، ودعوة لأن يكون المجتمع أكثر رحمة تجاه من كسرتهم الحياة. نصّ يفتح بابًا واسعًا لقراءة الدور الإنساني للفضاءات الدينية الشعبية، ويثبت أن الكلمة الروحية قادرة على إصلاح ما تعجز عنه العصا.
ويقدم النص حكاية رمزية ذات نَفَس صوفي، تُجسّد لحظة تحول عميق في شخصية "داير" الذي ينتقل من عالم التشرّد والسرقة إلى عالم الطهارة الروحية والخدمة، بفعل يقظة داخلية فجّرها سكون الليل وهيبة الضريح.
لغة النص مكثفة وهادئة، تعتمد الإيحاء لتصوير هذا الميلاد الجديد، حيث يصبح الضريح رمزًا للحماية والقبول، ويحضر كقوة صامتة تغيّر مسار البطل دون معجزة ظاهرة.
ويتكئ السرد على مفارقة دالّة: من الخوف من "قطع اليد" إلى الشعور بأنه "محفوظ من الضياع"، في إشارة إلى أن الخلاص الحقيقي ليس قانونيًا بل روحي وأخلاقي.
وبفضل بناء جمالي يعتمد على الإيقاع القصير والصور الموحية، ينجح النص في تقديم قصة خلاص إنساني يندمج فيها المكاني (المسجد والضريح) بالوجداني، ليغدو “داير” مثالًا على قدرة الإنسان على إعادة تشكيل ذاته حين يجد موطئ قلب يولد فيه من جديد.
تعليقات
إرسال تعليق