التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

عودة الروح: حين نزلت "الرحمة" إلى بئر الضوء والتهوية

بقلم/ د. نجلاء الورداني في ساعةٍ رماديةٍ بين الفجر والصحو، اخترق صمتَ البناية صوتٌ واهن، متقطع، كأنه استغاثة خرجت من حنجرةٍ أنهكها النداء. لم يكن الصوت بشريًا، ومع ذلك لمس قلبه كما لو كان نداءً باسمه. توقف الرجل عن حركته. أغلق النافذة نصف إغلاق، وأصغى. عاد الصوت، أضعف، لكنه أكثر إلحاحًا....... صوت قطة عالقة في بئر الضوء والتهوية، ذلك الفراغ المنسي بين الجدران، حيث لا تصل الأقدام ولا تُرى الوجوه. كان يمكنه أن يتجاهل الأمر. أن يقنع نفسه بأن الطبيعة تعرف طريقها، وأن الموت جزء من النظام الكوني. لكن شيئًا داخله تمرد على هذا المنطق البارد. أمسك المصباح، ونظر إلى أسفل. الجدران العالية بدت كأنها تضيق على نفسها، والظلال تتشابك كأصابع تتآمر على الإبصار. وفي القاع، كانت القطة… جسد صغير يرتجف، وعينان واسعتان تلمعان بالخوف، كمرآتين تعكسان وحدة العالم. نزل الرجل بحذر، كل خطوة كانت اختبارًا لإيمانه بأن الرحمة فعلٌ لا يُؤجَّل. كان بئر التهوية أشبه بفمٍ حجريٍّ ابتلع الكائن الضعيف، لكنه في الوقت ذاته كان امتحانًا صامتًا للإنسانية. حين اقترب منها، لم تهرب. وكأنها أدركت أن هذا الكائن الواقف أمامها لا يحمل...

صباحٌ بائس

بقلم/ د. نجلاء الورداني لا يبدأ الصباح دائمًا كما تشتهيه الأنفس. فهناك صباحات لا تحمل معها وعدًا بالصحو والانفراج، بل تأتي مثقلةً بغيومٍ خفية تسكن الصدر قبل أن تستقر في السماء. صباح بائس، يستيقظ فيه الإنسان لا لأنّه شبع نومًا، بل لأنّ القلق سبقه إلى اليقظة، فطرق رأسه قبل عينيه. في هذا الصباح، يبدو الزمن ثقيلاً. عقارب الساعة تتحرك ببطءٍ مستفز، وكأنها تتعمّد تذكيرنا بأن اليوم طويل، وأن ما ينتظرنا أثقل من قدرتنا على الاحتمال. القهوة تفقد طعمها المعتاد، لا مرارة فيها سوى مرارة التفكير، ولا دفء يمنح الطمأنينة، بل لحظة صمت نحدّق فيها في الفراغ. الشوارع في صباحٍ بائس تبدو أقل حيوية، حتى وإن ازدحمت بالناس. الوجوه عابسة، والخطوات متسارعة، وكلٌّ يحمل همّه في حقيبة غير مرئية. تتقاطع الأجساد دون أن تتقاطع الأرواح، فالجميع حاضر بالجسد، غائب بالروح، منشغل بمعركة داخلية لا يراها أحد. أما النفس، فتكون أكثر هشاشة. أبسط التفاصيل تتحول إلى عبء: صوت المنبّه، ضجيج الطريق، رسالة عابرة، أو ذكرى قديمة تستيقظ فجأة دون استئذان. في صباح كهذا، نشعر بأننا نجرّ اليوم خلفنا جرًّا، لا نمشي إليه بثقة بل نتعثّر نحوه. و...

من ضروب توظيف الاقتباس القرآني في النص الشعري نماذج من شعر العصر المملوكي

  أ.د. أنس عطية الفقي يُعَدُّ الاقتباسُ من القرآن الكريم أظهرَ أنواع التأثير القرآني في شعر العصر المملوكي، تشهد بذلك كثرةُ النصوص الوارد فيها هذا النوع، والتي تَدُلُّ على أن شاعر هذا العصر كان يلجأ إلى الاقتباس من القرآن الكريم تعبيرًا عن القدرة على توظيف النص القرآني الماثل في أذهان الناس في سياق شعره. وقد اتخذ الاقتباس القرآني أشكالا متعددة في طريقة توظيفه داخل النص الشعري أثبتت قدرات فنية متميزة لشعراء هذا العصر، حاول هذا البحث تحليلها وبيانها؛ بما يساعد المتلقي على تذوق جماليات هذا المنزع البديعي، فقد كان يمثل مع غيره من ضروب البديع الذوق السائد في هذا العصر.       وجاءت هذه الأشكال على النحو التالي: 1-          صياغة الاقتباس بلا تغيير في لفظه : يحتاج هذا النوع من التوظيف مقدرة كبيرة من الشاعر حتى يُسَوِّغَ لدخول الاقتباس بشكله القرآني المتميز في سياق الشعر مُحَوِّرًا دلالته ليناسب المعنى الذي سيق من أجله.         ويكثر هذا النوع في النمط القولي، الذي يبدأ بـ "قال"، أو "تلا"، أ...