التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مِن المَخْبرِ إِلى التَّصْنِيع: نَحْوَ رُؤْيَةٍ عِلْمِيَّةٍ لِأَبْحَاثِ الإِبِلِ وطِبِّ الدَّلِيل



بقلم: أ.د. حسن شلبي (أستاذ الباطنة والمناظير — كلية الطب، جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا)

إذا كان الغرب قد استثمر ملايين الدولارات لتعقيم واستخلاص أدوية حيوية من الخنازير (كالهيبارين والكوروسيرف)، فلماذا يقف البحث العلمي العربي والإسلامي مكتوف الأيدي؟ لماذا لا تُضخ الاستثمارات لتحويل مستخلصات الإبل البيوكيميائية وأجسامها المضادة النانوية إلى "أدوية معقمة ومقننة" تفرض نفسها على "الطب القائم على الدليل" بدلاً من تركها ساحة للسجال الفكري السطحي؟

ما سبق إجمال يحتاج إلى التفصيل، وهاكم التفصيل:

قليل جداً ما نعلمه عن إعجاز خلق الإبل، وإذا كان خلقه غير عادي، فمن الطبيعي جداً أن تكون ألبانه وأبواله ذات خصائص فريدة تختلف عن أي كائن آخر.وعندما نعود إلى صحيحي البخاري ومسلم، سنجد حادثة شهيرة لأشخاص قدموا إلى المدينة المنورة فأصيبوا بمرض تسبب في انتفاخ بطونهم وثقل أجسادهم؛ وهو ما يُعرف طبياً اليوم بـ "الاستسقاء الناتح عن اعتلال الكبد أو الكلى". 

وقد وصف لهم النبي ﷺ بروتوكولاً علاجياً واضحاً حين قال لهم: «أن يَنْطَلِقُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَيشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا»، فتعافوا تماماً وشفوا بإذن الله.

الأمر معملياً يندرج —إذن— تحت مظلة "المستخلصات البيو-كيميائية العلاجية". فطبّياً، الاستسقاء هو تجمع السوائل في التجويف البطني نتيجة تليف الكبد أو الفشل الكلوي، وعلاجه المستقر يكون بمدرات البول والألبومين، وقد ثبت علمياً احتواء بول ولبن الإبل على نسب عالية من البوتاسيوم، والبروتينات، ومدرات البول الطبيعية.

أما الأبحاث حول بول الإبل، فهي لا تزال في معظمها أبحاثاً مخبرية (في الأنابيب) أو على حيوانات التجارب، ولم تصل بعد إلى مرحلة "الدراسات السريرية على البشر والمعتمدة عالمياً" لتصنيع دواء بشري مقنن؛ نظراً للمخاوف الطبية المشروعة من نقل الفيروسات الشرسة (مثل فيروس كورونا وفيروس ميرس المتلازم مع الإبل) عبر الإفرازات الخام غير المعقمة.

ومع ذلك، فقد ثبتت للإبل خصائص بيولوجية مبهرة؛ فخلايا دمها الحمراء بيضاوية الشكل وتتمدد بمرونة دون أن تنفجر، وهي تمتلك بالفعل "الأجسام المضادة النانوية" الفريدة، والتي تُجرى عليها الآن أبحاث ثورية حول العالم لعلاج الأورام السرطانية والفيروسات.

وإذا كان العلماء الغربيون قد توصلوا —من خلال الدراسات السريرية الصارمة على البشر— إلى استخراج مادة "الهيبارين" المضادة للتخثر والمستخدمة لإنقاذ مرضى الجلطات كلياً من الأنسجة المخاطية لأمعاء الخنازير، وكذلك أنتجوا دواء "الكوروسيرف" (وهو مستخلص "سورفاكتانت" طبيعي مستخرج فعلياً من رئة الخنازير يُحقن به الأطفال المبتسرون لفتح رئاتهم غير المكتملة وإنقاذهم من الاختناق)..

أقول: إذا كان العالم كله اليوم يعتمد على هذا النظام الصارم المسمى "الطب القائم على الدليل"، فلماذا لا تقدم مراكزنا البحثية وجامعاتنا هذه الاكتشافات المعملية حول الإبل إلى الساحة الدولية، وتدخل بها حيز التصنيع الدوائي الرسمي المقنن والآمن، بدلاً من بقاء هذا الإعجاز حبيس السجالات الفكرية والجدل المجتمعي؟

وأزيد قولا آخر: ما هي العقبة الأساسية التي تمنع الجامعات والمراكز البحثية في عالمنا العربي من تبني دعوة الدكتور حسن، وتحويل هذه المواد الخام إلى عقاقير طبية مسجلة عالمياً؟ هل هو ضعف التمويل، أم غياب الإرادة وصناعة الدواء الحقيقية؟

تعليقات