التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ستر

 


قصة قصيرة بقلم/ عبد الرحمن هاشم

 

تطاير في أنحاء الكلية نبأ حضور العميد الجديد.

 

تلقت النبأ وهي في طريقها إلى الجامعة. لا مفر من أن تُهنئَهُ مع زملائها من المدرسين والأساتذة، وبخاصة وأنه عائد من الصين.

 

ألمحت لها زميلة بمجرد وصولها إلى القسم:

-        يُنوهون بعلاقاته مع الكبار، ويتحدثون أيضًا عن كفاءته في الإدارة.

 

كان دائمًا احتمالا متوقعا، وها هو قد وقع.

 

لاح في عينيها نظرة ممتعضة، ومع ذلك ذهبت مع الذاهبين إلى الحجرة المفتوحة على مصراعيها.

 

وقف في منتصف الحجرة يستقبل المهنئين والمهنئات، والابتسامة لا تفارقه.

 

تقدَّمتْ في خُطى سريعة مُركَّزةً نظرها على صدره دون عينيه ومدَّت يدها ولم تنبس بكلمة!

 

صافَحَها وقال وهو يدقق فيها النظر: مرحبا.

صدمات هذا الرجل هدتها. رجعت إلى بيتها بغير الحال الذي خرجت به؛ تحدثت إلى أمها على مائدة الطعام بإيجاز:

-        د. منصور، منصور رجب، تذكرينه؟ أصبح عميدا لكليتنا.

-        يا لطيف! لا نريد سُوى الكُمون والستر!

ثم بعد فترة صمت:

-        وما الذي يشغلك، هذا تاريخ منسي، لا تفتحي أبواب الماضي والتفتي لأولادك.

 

بعد الطعام آوت إلى حجرتها لتنام؛ كم تشكو الآن من كثرة النوم! تركت أمها تراجع مع الأولاد دروسهم، ومع ذلك لم تنم، بل سرحت في منصور.

 

ظل طوال تدريسه لها يعاملها معاملة خاصة ويميزها عن بقية زميلاتها، وعندما أشرف عليها في رسالة الماجستير طاب أنسه بها فأحبته. لم تفطن في أحلام حبها وهيامها إلى جانب الذئب فيه؛ إنه البلاء الموزع عليها وعلى غيرها! ظنَّت أن انفراده المتكرر بها سيمر دائما مرور الكرام، لكن لم تصبر عليه. حصل ما حصل وعندما أفاقت على ما انكسر تساءلت في رعب: كيف جرؤت؟

 

قال لها وهو يمسح على ظهرها ببرود وبآلية:

-        استري نفسك، ولن يمر وقت طويل إلا وتكوني زوجتي، لكن دعيني أرتب أموري.

 

مِن خليلها أتى البلاء والألم. لم يتحقق الزواج، بل سافر مع أول فرصة!

لاحظت اهتمام الأساتذة بها وصرَّحوا لها بأن ذلك بناء على توصيته، وظل يتابعهم حتى نالت الماجستير والدكتوراه.

 

تلقت الطعنة بصبر.


ظلّت ليالي طويلة تحدق في السقف، تسأل نفسها: كيف جَرُؤَتْ؟ وكيف تركها؟
لم تكن تخاف الفضيحة بقدر ما كانت تخاف أن ترى في عيني أمها سؤالًا لا جواب له.
وحين ضاقت الدائرة، اختارت الصمت طريقًا، وأجرت العملية المعروفة، وقالت نعم لأول طارق يطلب الزواج وأنجبت بنتا وولدا، وسرعان ما توفي زوجها فباتت أرملة تقيم مع أمها.

ولكن، هل أسفت حقًا لظهوره في حياتها من جديد؟

 

شغلها الفكر: إنها ستتعامل معه يوما بعد يوم، وسيجعل من الماضي حاضرا حيا.

 

عندما خلا إليها في حجرته لأول مرة، لم تجلس قبل أن يشير هو إلى المقعد.
تأملت المكتب الواسع، الشهادات المعلقة، الصور الرسمية، ثم رفعت عينيها إليه للمرة الأولى منذ صافحته.

قال والابتسامة لا تفارقه:


أريد الوفاء بوعدي… ما زلت أحبك.

لم ترد.

أضاف بعد لحظة، بنبرة حاول أن يجعلها مكسورة:


زوجتي رحمها الله توفيت منذ شهور.

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...