قصة
قصيرة بقلم/ عبد الرحمن هاشم
تطاير
في أنحاء الكلية نبأ حضور العميد الجديد.
تلقت
النبأ وهي في طريقها إلى الجامعة. لا مفر من أن تُهنئَهُ مع زملائها من المدرسين
والأساتذة، وبخاصة وأنه عائد من الصين.
ألمحت
لها زميلة بمجرد وصولها إلى القسم:
- يُنوهون
بعلاقاته مع الكبار، ويتحدثون أيضًا عن كفاءته في الإدارة.
كان
دائمًا احتمالا متوقعا، وها هو قد وقع.
لاح في
عينيها نظرة ممتعضة، ومع ذلك ذهبت مع الذاهبين إلى الحجرة المفتوحة على مصراعيها.
وقف في
منتصف الحجرة يستقبل المهنئين والمهنئات، والابتسامة لا تفارقه.
تقدَّمتْ
في خُطى سريعة مُركَّزةً نظرها على صدره دون عينيه ومدَّت يدها ولم تنبس بكلمة!
صافَحَها
وقال وهو يدقق فيها النظر: مرحبا.
صدمات
هذا الرجل هدتها. رجعت إلى بيتها بغير الحال الذي خرجت به؛ تحدثت إلى أمها على
مائدة الطعام بإيجاز:
- د.
منصور، منصور رجب، تذكرينه؟ أصبح عميدا لكليتنا.
- يا
لطيف! لا نريد سُوى الكُمون والستر!
ثم بعد
فترة صمت:
- وما
الذي يشغلك، هذا تاريخ منسي، لا تفتحي أبواب الماضي والتفتي لأولادك.
بعد
الطعام آوت إلى حجرتها لتنام؛ كم تشكو الآن من كثرة النوم! تركت أمها تراجع مع
الأولاد دروسهم، ومع ذلك لم تنم، بل سرحت في منصور.
****
ظل
طوال تدريسه لي يعاملني معاملة خاصة ويميزني عن بقية زميلاتي، وعندما أشرف عليَّ
في رسالة الماجستير طاب أنسي به فأحببته.
كان
إذا نظر إليَّ خُيِّل إليَّ أن العالم قد خلا إلا منا، وإذا ابتسم حسبتُ ابتسامته
خُلقت لي وحدي.
بادلته
النظرة بالنظرة.. كنت أعود إلى البيت فأجدني أبتسم وحدي كلما تذكرت نظرةً منه أو
كلمةً عابرة.
قال لي
مبتسما: أنتِ روحي، وكرر ذلك مرارًا، روحي، روحي.
أمي لم
تبد سعيدة على الإطلاق باهتمامه المتكلف بي!
لم أفطن
في أحلام حبي وهيامي إلى جانب الذئب فيه؛ ومع ذلك عدت لألتقي به خارج الجامعة بعد
أن أقسم لي على أن غرضه شريفا وأنه لي وأنني له حتى آخر العمر.
عندما
أتذكر ذلك، لا يبدو لي ما حدث بعيدا، وكأن الأمر برمته قد حدث فقط البارحة!
تناولنا
العشاء...
ثم قال
بهدوء:
استراحتي
قريبة... تعالي نرتاح قليلاً.
ولم
أكن يومها أعرف أن بعض الطرق لا يعود منها الإنسان كما ذهب.
فور
دخولنا الاستراحة، بدا كأنه كان ينتظر تلك اللحظة.
وبعد
دقائق كنت أحدق في الأرض...
قال لي
وهو يمسح على ظهري بتوتر:
- استري
نفسك، ولن يمر وقت طويل إلا وتكوني زوجتي، لكن دعيني أرتب أموري.
****
مِن
خليلها أتى البلاء والألم. لم يتحقق الزواج، بل سافر مع أول فرصة!
تلقت
الطعنة بصبر وبصمت.
ظلّت ليالي طويلة تحدِّق في السقف، تسأل نفسها:
كيف
جَرُؤَتْ؟
وكيف
تركني؟
وكيف
صدقته؟
انقبض صدر أمها فور أن رأتها مغتمة ولا تنطق. تحققت مخاوفها ولزمت الصمت، لكن
السؤال الذي لا جواب له، يطل دائما من نظراتها!
كانت
تفاجأ كلما ناقشها أحد الأساتذة بلطف زائد، أو سهّل لها إجراءً أكاديميًا، وعلمت
السر عندما همس لها أحدهم يومًا:
-
هذه
توصية الدكتور منصور.
وحين استحال الرجوع، سعت إلى الستر، ثم مضت في حياتها، غير أن المرارة لم تفارقها.
قالت
نعم لأول طارق يطلب الزواج وأنجبت بنتا وولدا، وسرعان ما توفي زوجها فباتت أرملة
تقيم مع أمها.
ولكن،
هل أسفت حقًا لظهوره في حياتها من جديد؟
****
شغلها
الفكر: إنها ستتعامل معه يوما بعد يوم، وسيجعل من الماضي حاضرا حيا.
عندما
خلا إليها في حجرته لأول مرة، لم تجلس قبل أن يشير هو إلى المقعد.
تأملت المكتب الواسع، الشهادات المعلقة، الصور الرسمية، ثم رفعت عينيها إليه للمرة
الأولى منذ صافحته.
قال
والابتسامة لا تفارقه:
— أريد الوفاء بوعدي… ما زلت أحبك.
لم
ترد.
أضاف
بعد لحظة، بنبرة حاول أن يجعلها مكسورة:
— زوجتي
رحمها الله توفيت منذ شهور.. وأتمنى من كل قلبي وصل ما انقطع.
أطرقت
طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:
— يومًا
قلت لي: «استري نفسك»... ومنذ ذلك اليوم وأنا ألتمس ستر الله.
ثم
نهضت، وخرجت في هدوء.
تعليقات
إرسال تعليق