قراءة
مقارنة بين قصتي "الإذن" و "اضطراب" لعبد الرحمن
هاشم*
بقلم الكاتبة المستشارة/ شيماء سحاب
المحامية بالنقض والدستورية العليا
ثمة خيطٌ دقيق لكنه
عميق يصل بين النصين القصيرين «الإذن» و«اضطراب» لعبد الرحمن هاشم: كلاهما يقوم على
بنية نفسية قوامها الاختبار ثم المفاجأة، غير أن مسار الاختبار في كل منهما يسلك اتجاهًا
مختلفًا، وتأتي المفاجأة في أحدهما كاشفةً للسمو، وفي الآخر كاشفةً للانكشاف.
يقول السارد في قصة «الإذن»:
في أول يوم لي بالمدينة
وصلت المسجد وخطبة الجمعة قائمة. كان المشهد مهيبًا؛ افترش الزائرون الساحات الداخلية
والخارجية، بل وفوق السطح، صفوفًا متراصة بثياب بيض، تعلو وجوههم سكينةٌ رغم حرّ الطقس
وضيق المكان.
بعد الصلاة بدا الوصول
إلى الروضة الشريفة والقبر المنير أشبه بمحاولة شقّ بحرٍ بشري. وقفنا في طابور طويل
جاوز الساعة. وحين بلغت المدخل بعد مشقة، أوقفني أحدهم طالبًا تصريح الزيارة.
لم أكن قد سجلت العمرة
عبر الموقع الرسمي؛ دخلت بتأشيرة زيارة سياحية، ولم يخطر ببالي أن يُحال بيني وبين
الروضة. قلت:
— أريد الدخول… وليس
معي تصريح.
جاء الرد قاطعًا:
— لا بد من تصريح.
ألححتُ. فتقدّمت
امرأة من أفراد الأمن لتتولى الأمر. قلت لها وأنا ألهث من التعب:
— تعبت كثيرًا حتى
أصل إلى هذا المكان الطاهر.
قالت ببرودٍ لا يخلو
من عدل:
— كل هؤلاء تعبوا
مثلك… وربما أكثر.
تراجعتُ خطوة. كان
الواقفون ينصتون إلى جدلٍ لا طائل منه. تسلّل اليأس إلى صدري، لكن الشوق كان أقوى؛
كنت أريد أن أقف عند الحبيب، أن أبكي، أن أستغفر… لم أكن أعرف إلا أن الزيارة ينبغي
أن تتم.
فانصرفتُ عنهُم إليه.
لم أجادل أحدًا بعدها. ناجيتُه في سري أن يقسم لي زيارةً يكتبها الله لي.
اقترب وقت العصر،
وتكدّس الناس خلفي. فجأة أشاروا إليّ بالدخول، وأُرجئ من بعدي إلى ما بعد الصلاة.
دخلت… وأنا أعلم
أن الإذن لم يكن من بشر.
ويقول السارد في قصة «اضطراب»:
نظر في يومياته يراجع
عامًا مضى بأفراحه وأحزانه، فوجد أنه تعرّف عليها في موسم الحج بمكة، والتقى بها مرة
ثانية في المركز الصحي بالمدينة.
أما المرة الثالثة،
فكانت في القاهرة، بعد شهرين من آخر لقاء.
في هذه المرة، وبعد
انتهاء الاحتفالية التي دُعيا إليها، أصرّت على الانفراد به لتبثه عواطفها نحوه. أشفق
عليها من التمادي في أمرٍ لا يرحم، وأخبرها بوضوح أن ما تعانيه—إن كان حبًا—فهو من
طرف واحد، أو حالة اضطراب نفسي تحتاج إلى طبيب.
عجبت من صراحته،
وقالت هامسة:
— أنت طبيبي!
خشي أن تفسد عليهما
الحج، فردّ بصدق:
— أَنَتَّبِعُ الشيطان
بعد أن رجمناه؟
لم تستسلم لمنطقه،
وتمادت خالعة نقاب الحياء:
— أشعر بسعادة حقيقية
في جوارك… لمست ذلك في كل لقاء سابق، وها هي سعادتي تتجدد الآن، على نحو لا يمكن أن
تحسّه إلا إذا اقتربتَ مني.
انقبض صدره انقباضًا
ثقيلاً، وتيقّن أنها في حالة لا ينفع معها الصدام، فلجأ إلى المداراة حتى تمضي في سبيلها.
ثم تذكّر أمرًا لعلها غافلة عنه، فقال:
— في هذه الحالة
لا يصح إلا الصحيح… الزواج!
— لكني، لسوء حظي،
متزوجة، بل أصبحتُ جدة منذ شهرين!
— وأنا كذلك متزوج.
— إذن، فلا أقل من
أن تسعدني بالسماح لي برؤيتك والجلوس معك!
لاذ بالصمت، فهَمست:
— لا تؤاخذني… لقد
فكرتُ، أول ما رأيتك اليوم، في معانقتك!
قال، وهو في منتهى
التعجب:
— وما الذي منعك؟
— الناس!
— يبدو أنك تُصرّين
على إفساد حجّتك!
— نحجّ مرة ثانية
ونكون معًا!
— كيف تطوفين وقلبك
معلّق بغيره؟
— سأحلّ لك يومًا…
إنني على يقين!
ذهل. أدرك من فوره
أن التمادي مع هذه المرأة يورّطه لا محالة. تماسَكَ متظاهرًا بالارتياح، وتمتم:
— ما المطلوب مني
الآن؟
— أن تحدد لقاءً
آخر، في المكان الذي تحبه.
تريّث قليلًا، ونظر
في عينيها مباشرة. تلفّع بالمداراة ليختبرها، فمال وهمس في أذنها:
— متى خرج زوجكِ،
أرسلي إليّ لأصعد إليك.
فردّت بتلقائية مدهشة:
— يا لهوتي… زوجي
يذبحني ويذبحك!
القراءة المقارنة بين القصتين:
أولًا: بنية الاختبار
في «الإذن» الاختبار
خارجي في ظاهره (تصريح، نظام، حشد، سلطة)، لكنه يتحول سريعًا إلى اختبار داخلي:
هل يكون الشوق دافعًا
للفوضى أم منطلقًا للتسليم؟
يتدرج البطل من الجدل
إلى الانكسار، ومن الاحتجاج إلى المناجاة. هنا يتكثف الصراع داخل النفس، لا مع رجل
الأمن أو النظام. اللحظة الحاسمة ليست عند البوابة، بل عند التحول من مخاطبة البشر
إلى مخاطبة الغيب.
أما في «اضطراب»
فالاختبار نفسي أخلاقي مباشر:
امرأة تُغري، سياق
ديني سابق (الحج)، لغة عاطفية ضاغطة، ومحاولة تبرير للانزلاق. البطل هنا ليس أمام نظام
إداري بل أمام غواية بشرية. الصراع ليس بينه وبين مؤسسة، بل بينه وبين ذاته ورغبته
ومكانته الدينية.
في القصتين، إذن،
نحن أمام اختبار للثبات:
في الأولى: ثبات
أمام الحرمان المؤقت.
في الثانية: ثبات
أمام الإغراء.
ثانيًا: لحظة التحول
النفسي
في «الإذن» تأتي
اللحظة الفارقة عندما يتوقف البطل عن الإلحاح، ويستبدل الجدال بالمناجاة. هذه النقلة
من الخارج إلى الداخل هي مركز الثقل النفسي في القصة. المفاجأة (الدخول) تبدو وكأنها
استجابة لتغيرٍ داخلي لا لوساطة خارجية.
أما في «اضطراب»
فالمفاجأة تأتي في صورة جملة قصيرة مكثفة:
«يا لهوتي.. زوجي
يذبحني ويذبحك!»
هنا تنكشف الهوة
بين الخطاب العاطفي والواقع الاجتماعي. المرأة التي كانت تتحدث بثقة عن اللقاء والاقتراب
تتراجع أمام حقيقة السلطة الزوجية. المفاجأة لا تمنح انفراجًا، بل تكشف تناقضًا داخليًا
لديها، وتؤكد صواب حذر البطل.
ثالثًا: طبيعة المفاجأة
في «الإذن»: المفاجأة
ذات طابع قدري/غَيبي، تحمل إيحاءً بالعناية.
في «اضطراب»: المفاجأة
واقعية ساخرة، تكشف هشاشة الخطاب العاطفي.
الأولى تمنح القارئ
طمأنينة.
الثانية تمنحه يقظة.
رابعًا: العدالة
النفسية
كلا النصين يقوم
على نوع من العدالة، لكنها ليست قانونية بل نفسية:
في «الإذن» تتحقق
العدالة حين يتنازل البطل عن حقّه الجدلي فيُمنح ما أراده دون صراع.
في «اضطراب» تتحقق
العدالة حين تنكشف حدود الرغبة، ويظهر أن التمادي مستحيل دون عواقب كارثية.
في الأولى: الثبات
يُكافأ.
في الثانية: الثبات
يُنقذ.
خامسًا: صورة البطل
في القصتين، البطل
ليس بطلاً صاخبًا؛ إنه بطل داخلي.
في «الإذن» يتجلى
كباحث عن الطمأنينة.
في «اضطراب» يتجلى
كحارس لحدوده الأخلاقية.
واللافت أن كلا الموقفين
يقع بعد سياق ديني (المدينة/الحج)، وكأن السرد يريد اختبار أثر العبادة في السلوك الواقعي.
هنا يتعمق الخيط المشترك:
العبادة ليست لحظة
شعورية، بل امتحان ممتد.
خلاصة المقارنة:
«الإذن» تمثل اختبار
الحرمان، وتنتهي بمفاجأة العطاء.
«اضطراب» تمثل اختبار
الإغراء، وتنتهي بمفاجأة الانكشاف.
في الأولى يتدخل
الغيب.
في الثانية يتكلم
الواقع.
لكن في كليهما ينجو
البطل لأنه يختار التراجع في اللحظة الحرجة:
مرةً يتراجع عن الجدل،
ومرةً يتراجع عن الانزلاق.
وهنا تكمن البصمة
السردية لعبد الرحمن هاشم فهو لا يكتب عن الانتصار بالصوت العالي، بل عن النجاة بالانضباط
الداخلي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*طالع القصتان على موقع العالم اليوم نيوز:

تعليقات
إرسال تعليق