كتب عبد الرحمن هاشم:
يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها.
الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها.
عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين.
مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها. أصيلة لم تفرّط يومًا في معدنها النفيس، ولو تحملت من الألم والكدر ما الله به عليم.
أراها اليوم تعيش خريف العمر كأنها ترتقي في مدارج الروح، يضيء وجهها رضا الأيام، وتصقلها مصابيح التجربة، فتصبح الحكمة سمتها، والصمت مقامها. تكثر الجلوس في الشرفة، تنظر إلى القبة الزرقاء، ينعشها عبق الفل والريحان، وتطيل التأمل والدعاء. لم تعد تبالي بمباهج الدنيا، ترضى بالقليل، وتفرح بالضحكة والبسمة البريئة الصادقة. تحلم بالراحلين، وإذا بلغها خبر موت أحد من معارفها أو أقاربها تكتفي بقول: "الله يرحمه.. هل حضرت الدفنة؟".
وكأني بها ولسان حالها يقول مع القائل:
المَرءُ يَأمُلُ أَن يَعيشَ
وَطولُ عَيشٍ قَد يَضُرُّه
تَفنى بَشاشَتُهُ وَيَبقى
بَعدَ حُلوِ العَيشِ مُرُّه
وَتَخونُهُ الأَيّامُ حَتّى
لا يَرى شَيئاً يَسُرُّه
يأتي يوم ميلادها في الثامن والعشرين من أغسطس من عام 1951م، فأهدي إليها نسبها الشريف كتابة، علّه يحمل إليها سلام أجدادها المباركين من آل البيت، سلام دائم متصل إلى يوم الدين.
إنها أمي الشريفة هانم بنت الشريف عبد المجيد إبراهيم هاشم، سليلة سيدنا الحسين ابن سيدنا الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا محمد ﷺ.
واليوم، تحيط بركاتها بأبنائها الخمسة: أمينة، وعبد الفتاح، وعُلا، وعبد الرحمن، ورباب، وأحفادها: سارة، سيف، فارس، إسراء، أحمد، سلمى، سما، عمر، يوسف، آلاء، رؤى، مصطفى، محمد.
متعنا الله ببركاتها، وأطال عمرها في صحة وعافية، وجعل لنا من رضاها نصيبًا، ولها في الجنة مقامًا عليًّا. آمين.

أمي… هانم عبد المجيد
ردحذفولدتني، أرضعتني، ورعتني حتى غياب أبي المبكر، ثم حملت عبء حياتنا بإيمان وصبر لا يلين. كانت شمس بيتنا لا تغيب، تعمل مع النهار وأحيانًا مع القمر، حتى تسلل المرض إلى جسدها في عز قوتها، لكن روحها بقيت قوية، وابتسامتها لا تفارق وجهها.
اليوم تعيش خريف العمر بروح راضية، تنظر إلى السماء من شرفة بيتنا، وتتنسم رائحة الفل والريحان، وتدعو لنا جميعًا.
هي الشريفة هانم بنت الشريف عبد المجيد… سليل نسب طاهر يمتد إلى سيدنا محمد ﷺ، تحيط بها بركاتها، وأحاطها أولادها وأحفادها حبًا ووفاءً.
في عيد ميلادها (28 أغسطس) أقول لها:
دمتِ بركة العمر، ومظلة الرحمة، وبهجة الروح.
إلى أمي… هانم عبد المجيد
ردحذفيشاء الله أن أكون نطفة في رحمها، ثم علقة، ثم مضغة، حتى أكتمل، فأفتح عيني على الدنيا على يديها. أرضعتني عامين كاملين، ثم شاء القدر أن يرحل أبي مبكرًا، فتقف هي أمام عاصفة الحياة، صامدة، شامخة، لا تنحني إلا لربها.
عاصرتها وهي شعلة من حركة وحيوية، تعمل مع الشمس، وأحيانًا مع الشمس والقمر معًا، حتى إذا زحف المرض على جسدها ظل قلبها حيًّا نابضًا بالعطاء.
واليوم، في خريف العمر، تجلس في شرفتها، تحدّق في القبة الزرقاء، تتنسم عبق الفل والريحان، وتوزع الدعاء كما توزع ابتسامتها. زهدت في زخارف الدنيا، واكتفت برضا الله وحب أبنائها وأحفادها.
هي الشريفة هانم بنت الشريف عبد المجيد… نسبها يتصل بسيدنا محمد ﷺ، وبركتها تحيط بنا، وحبها ظلّنا، ووجهها صبح حياتنا.
في يوم ميلادها (28 أغسطس)، أقول:
دمتِ أمان العمر، وريحانة البيت، وبهجة القلب… ما دام في القلب نبض.
اللهم احفظها بحفظك، وأطل في عمرها ببركتك، واجعل ما بقي من أيامها صفاءً ورضا، واغمرها بنور وجهك، كما غمرت قلوبنا بحنانها. اللهم اجعلها ممن تقول لهم الملائكة عند الرحيل: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وأدم علينا ظلها ما حيينا، وأدم في قلوبنا دعاءها بعد رحيلها.
ردحذف