بقلم د. نجلاء الورداني
في مشهد يبدو عابرًا داخل أحد الفصول الدراسية، يقرر طفل أن يستبدل حقيبته المدرسية المليئة بالكتب بسندوتشات زميله. قد يُفسَّر هذا السلوك سريعًا باعتباره نوعًا من العبث أو السلوك غير المنضبط، لكن التأمل العميق يكشف أنه يحمل دلالات أعمق تتجاوز بساطته الظاهرية، ليعكس شبكة معقدة من الاحتياجات غير المشبعة والتفاعلات الاجتماعية داخل البيئة المدرسية.
إن هذا الفعل يضعنا أمام مفارقة واضحة بين حاجتين أساسيتين: الحاجة إلى التعلم، والحاجة إلى الإشباع الفسيولوجي والنفسي. فوفقًا لمنطق الحاجات الإنسانية، لا يمكن توقع أن ينخرط الطفل بفاعلية في العملية التعليمية بينما يعاني من الجوع أو الحرمان. ومن ثم، فإن اختيار الطفل للسندوتشات ليس مجرد تفضيل وقتي، بل هو استجابة فطرية لأولويات البقاء، حيث تتقدم الحاجات الأساسية على القيم المجردة كالتعليم والانضباط.
من زاوية سوسيولوجية، يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه انعكاسًا لعدم تكافؤ الفرص داخل المدرسة، حيث تتجاور حالات الحرمان مع الوفرة في نفس الحيز المكاني. هذا التفاوت قد يولد لدى بعض الأطفال مشاعر نقص أو اغتراب، تدفعهم إلى سلوكيات تعويضية، مثل الاستحواذ أو المقايضة غير المتكافئة. وهنا يتحول الفعل الفردي إلى مؤشر على خلل بنيوي في البيئة الاجتماعية المحيطة.
كما يمكن تفسير هذا السلوك في إطار ضعف الاندماج المدرسي؛ فالطفل الذي لا يجد في المدرسة بيئة جاذبة أو مشبعة لاحتياجاته المعرفية والانفعالية، قد يبحث عن بدائل تمنحه شعورًا فوريًا بالرضا. في هذه الحالة، يصبح الطعام رمزًا للتعويض، ليس فقط عن الجوع الجسدي، بل أيضًا عن فراغ عاطفي أو تربوي.
ولا يمكن إغفال دور التنشئة الاجتماعية في تشكيل مثل هذه السلوكيات؛ فالطفل الذي لم يتعلم بوضوح قيم الملكية أو تأجيل الإشباع، أو الذي يعيش في بيئة تضغط عليه ماديًا أو نفسيًا، قد لا يدرك أبعاد فعله أو نتائجه. ومن ثم، فإن التعامل مع هذا الموقف بالعقاب فقط قد يعمّق المشكلة بدلًا من حلها، لأنه يغفل جذورها الحقيقية.
إن هذه الواقعة البسيطة تدعونا إلى إعادة التفكير في دور المؤسسة التعليمية، ليس فقط كمكان لنقل المعرفة، بل كفضاء شامل يراعي الاحتياجات المتكاملة للطفل. فالتعليم الفعّال لا ينفصل عن الرعاية الاجتماعية، ولا يمكن أن ينجح في ظل تجاهل الفروق الفردية والظروف المعيشية للطلاب.
في الختام، فإن استبدال الحقيبة بالسندوتشات ليس مجرد موقف طريف أو سلوك خاطئ، بل هو رسالة صامتة تحمل في طياتها دلالات عميقة حول الفقر، الحرمان، ضعف الاندماج، واختلال أولويات الإشباع. وهي دعوة صريحة للمربين وصناع القرار إلى تبني مقاربة أكثر إنسانية وشمولًا في فهم سلوك الأطفال والتعامل معه.
تعليقات
إرسال تعليق