التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصفر الكبير


 

بقلم/ د. محمد السباعي

شاءت الأقدار أن أتواجد في أحد المقاهي، متزامنًا ذلك مع مباراة في الدوري الأوروبي. هالني ما رأيت من حماسٍ جارف وتشجيعٍ مشتعل؛ جمهورٌ انقسم إلى فريقين، كلٌ يشد أزر فريقه، وكأن الأمر مسألة حياة أو موت. المدهش أنهم على دراية كاملة بأسماء اللاعبين ومراكزهم، بل ربما أسماء زوجاتهم وأبنائهم أيضًا! والأدهى أن كل مشاهد يتحول فجأة إلى مدرب قدير، يوجه ويصرخ ويحلل. أما إذا سُجِّل هدف، فلك أن تتخيل انفجار الفرحة، وكأن الدنيا قد ابتسمت لهم أخيرًا.

جلستُ حزينًا أتأمل الفارق بين ما أراه هنا، وما نعيشه في دورينا المحلي. لماذا نفتقد هذه الحماسة؟ ولماذا تحول الدوري المصري إلى نشاط باهت، لا يسمن ولا يغني من جوع؟ لماذا أعرض عنه الجمهور، واتجه بشغفه نحو دوريات أخرى؟

حاولت أن أستوعب هذا الفارق الشاسع: بين لاعبينا ولاعبيهم، مدربينا ومدربيهم، جمهورنا وجمهورهم، بل وثقافتنا الرياضية وثقافتهم. فوجدت — وبكل أسف — أننا نحصد صفرًا كبيرًا في كثير من هذه المقارنات. والأغرب أن بعض لاعبينا المحليين يطالبون، بل ويحصلون، على عقود فلكية تقترب من نظيراتها الأوروبية، دون مردود يُذكر يبرر هذه الأرقام.

ماذا قدمتم لأنديتكم؟ لجماهيركم؟ لأنفسكم؟ لا شيء… سوى أصفارٍ تتكرر. الجميع يرى نفسه نجمًا، لكن عند أول اختبار حقيقي، تتلاشى هذه النجومية كأنها لم تكن.

أتذكر مباراة المنتخب المصري أمام المنتخب الإسباني في إطار الاستعداد لكأس العالم؛ حينها ترك الإسبان لاعبينا يفعلون كل شيء… إلا التسجيل! حتى ظن البعض أننا ننافس على صدارة العالم. لكن مع بداية الشوط الثاني، اختفى المنتخب المصري تمامًا، وكأن لاعبيه لم يدخلوا الملعب أصلًا، لدرجة أن الجمهور كان يصفق لحارس المرمى الإسباني كلما وصلت إليه الكرة، حتى لا يتجمد من فرط البرود!

الفارق ليس فقط في المهارات، بل في المنظومة بأكملها. بين دوري يعتمد على الإعانات والإعلانات، وآخر يقوم على دراسات دقيقة، ومفاهيم سوق حرة، وتسويق احترافي، وعلم رياضي متكامل يشمل التدريب والإدارة والتأهيل وعلم النفس.

وبينما كنت غارقًا في هذه الخواطر، دوّى المكان مجددًا مع هدفٍ جديد، فقامت الجماهير ولم تقعد، حماسٌ عند التسجيل، وحرقةٌ عند إهدار الفرص. عندها أدركت أن الفارق ليس مجرد تفاصيل صغيرة، بل هوةٌ واسعة. وربما كان هذا أحد أهم أسباب عزوف الجمهور عن الدوري المصري، الذي لم يعد يشبع شغفًا ولا يروي ظمأ، في زمنٍ امتلأ بوجبات كروية دسمة نفتقدها.

ويبقى السؤال الأخير… وربما بلا إجابة:

متى يعود الجمهور إلى المدرجات؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

هانم عبد المجيد هاشم.. النور الذي لا يخبو

كتب عبد الرحمن هاشم: يشاء المولى عز وجل أن أكون جنينًا في رحمها، نطفةً فعلقةً فمضغةً، حتى اكتمل خلقي، ومن ثم خرجت إلى الدنيا، وبرحمة من الله هداني ربي إلى ثدييها عامين كاملين. ثم شاءت إرادة الله أن يرحل أبي إلى الرفيق الأعلى عام 1978م، فتتولى هي — وحدها — تربية أبنائها، متحملةً شظف الحياة، صامدةً بقوة إيمانها، ثابتةً بإرادتها. كنتُ آخر إخوتي زواجًا وآخرهم فراقًا لحضنها، ولم يطل ذلك البعد سوى سنوات معدودات، ثم عادت إليّ بعد نحو عقد من الزمان، مفضّلة أن تعيش في كنف ابنها، وقد بدأت مظاهر الشيخوخة تتسرب إليها، وأمراضها تتثاقل على جسدها. الفارق بيني وبينها قد يقترب من ربع قرن من الزمان، لكن تلاحق الأيام ورؤيتها صباح مساء جعلا وجودها بركةً مشهودة، حتى صار من العسير أن أتصور الدنيا بدونها. عاصرتها وهي تفيض بالحيوية، لا تهدأ حركتها، تعمل قبل شروق الشمس وتكمل أحيانًا مع ظهور القمر، لم تفارقها النضارة آنذاك رغم عناء الأيام. ومع السنين ازدادت بدانَة، لكن الدنيا — وهي الزوج الخئون — أرسلت المرض خلسة إلى جسدها وهي تناهز الأربعين. مشكلات عويصة تعرضنا لها ثم يكشفها الله ويلطف بنا ببركتها وبركة وجودها...

البيت الموحش

  بقلم/ عبد الرحمن هاشم منذ سفر زوجها بحثًا عن الرزق داخل الوطن، تحملت وحدها مسؤولية البيت والأبناء، حتى جاءها خطاب قبولها في الوظيفة التي حلمت بها طويلًا. لكن فرحتها ظلت ناقصة، فهي لا تكتمل إلا بعودة شريكها ليقف إلى جوارها. حين أخبروها أن أمامه فرصة عمل إن حضر للمقابلة، فرحت بشدة، لكن كيف السبيل إليه؟ لم تجد سبيلًا إلا الرجاء والدعاء، تترقب بلهفة أن يعود الغائب وتعود معه طمأنينة الحياة. جربت كل السبل، اتصلت بكل من عرفت من الأهل والأصدقاء، وسألت جميع من لهم معرفة به، لكن دون جدوى. لم يبق أمامها سوى باب السماء بعدما سُدّت في وجهها كل الأبواب، حملت همّها إلى قريب عُرف بين الناس بالزهد والصلاح وخدمة الناس. جلس قبالتها، أصغى إلى حكايتها بوجه مطرق إلى الأرض، ثم مدّ لها ورقة قائلا: "ردديها بعد كل صلاة، ففي التوكل على الله فرج، ولعل الله يجمع شملكِ بمن تحبين". وفي ليلتها تلك، فرشت سجادتها، صلّت لربها، بقي قلبها معلّقًا بالغيب، وشرعت تتلو بصوت خافت: باسم الله بدأت، وباسم الله توكلت، وباسم الله استفتحت وهو خير الفاتحين، مبيد الجبابرة، قاهر الجن والإنس أجمعين، الملك الحق المبين، ذي ...