بقلم د. نجلاء الورداني
يُعدّ الانتحار من القضايا الاجتماعية والصحية المعقدة التي تحظى باهتمام متزايد على المستوى الدولي، نظرًا لارتباطه بعوامل نفسية واقتصادية وثقافية متعددة. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يفقدون حياتهم سنويًا بسبب الانتحار، بما يجعله من أبرز أسباب الوفاة المبكرة عالميًا، خاصة بين فئة الشباب من 15 إلى 29 عامًا. كما تمثل هذه الظاهرة ما يقارب واحدة من كل مائة حالة وفاة حول العالم، وهو ما يعكس خطورتها واتساع نطاقها.
وتوضح الدراسات الدولية أن الانتحار لا يرتبط فقط بالاضطرابات النفسية، بل يتأثر أيضًا بالبطالة، العزلة الاجتماعية، الضغوط الأسرية، الأزمات الاقتصادية، وضعف الوصول إلى خدمات الصحة النفسية. ولهذا أصبحت مواجهته قضية تنموية واجتماعية، وليست طبية فقط.
أما في السياق العربي، فتشير بعض الدراسات إلى أن المعدلات الرسمية المسجلة تبدو أقل من المتوسط العالمي، حيث تتراوح في بعض التقديرات بين 3.9 و4.8 لكل 100 ألف نسمة، إلا أن هذه الأرقام قد لا تعكس الحجم الحقيقي الكامل للظاهرة بسبب الوصمة الاجتماعية والحساسيات الثقافية المرتبطة بالإبلاغ عن حالات الانتحار.
وفيما يخص مصر، تُظهر بيانات البنك الدولي المعتمدة على منظمة الصحة العالمية أن معدل وفيات الانتحار بلغ 0.63 حالة لكل 100 ألف نسمة عام 2021، وهو معدل منخفض نسبيًا بالمقارنة مع المتوسط العالمي. كما تُظهر البيانات انخفاضًا من 0.91 عام 2019 إلى 0.79 عام 2020 ثم 0.63 عام 2021.
لكن من الضروري أكاديميًا التنبيه إلى أن انخفاض المعدل الرسمي لا يعني بالضرورة غياب المشكلة أو محدوديتها؛ إذ تشير أدبيات علم الاجتماع والصحة العامة إلى احتمال وجود نقص في الإبلاغ أو تسجيل بعض الحالات تحت مسميات أخرى مثل الحوادث العرضية أو أسباب وفاة غير محددة، خاصة في المجتمعات التي ترتبط فيها الظاهرة بوصمة دينية واجتماعية قوية.
وفي المقابل، تؤكد المتابعة الإعلامية والاجتماعية داخل مصر أن حالات الانتحار أصبحت أكثر ظهورًا وتداولًا في السنوات الأخيرة، لا سيما بين بعض فئات الشباب والطلاب، وهو ما يرتبط بزيادة الضغوط النفسية والاقتصادية، وتنامي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع بعض شبكات الدعم التقليدية. ومن ثمّ، فحتى مع انخفاض المعدلات الرسمية، فإن تنامي الوعي المجتمعي بالحالات الفردية يشير إلى ضرورة عدم الاكتفاء بالأرقام المجردة.
أما من حيث المقارنة العربية، فتشير قواعد البيانات الدولية إلى أن مصر ليست الأعلى عربيًا من حيث المعدل السكاني، إذ توجد دول عربية تسجل معدلات أعلى، لكن نظرًا لكبر عدد السكان في مصر، فقد يظهر عدد الحالات الإجمالي أكبر من بعض الدول الأخرى. لذلك يجب التمييز بين الترتيب حسب المعدل لكل 100 ألف نسمة وبين الترتيب حسب العدد الإجمالي للحالات، لأنهما يقدمان صورتين مختلفتين تمامًا.
وفي الختام، يمكن القول إن الحالة المصرية تحتاج إلى قراءة مزدوجة: فمن جهة، تشير الإحصاءات الرسمية إلى معدل منخفض نسبيًا، ومن جهة أخرى، تشير المؤشرات الاجتماعية والإعلامية إلى تزايد الانتباه لحالات الانتحار وآثارها. لذلك فإن التعامل العلمي مع الظاهرة يتطلب تطوير نظم الرصد، وتوسيع خدمات الدعم النفسي، وتعزيز الوعي المجتمعي خصوصًا بين الشباب.

تعليقات
إرسال تعليق