بقلم د. نجلاء الورداني
شهدت الدراما الرمضانية المصرية في السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا في مضمونها ووظائفها، حيث لم تعد تقتصر على تقديم الترفيه أو عكس الواقع الاجتماعي فحسب، بل أصبحت تؤدي دورًا أكثر تعقيدًا يتمثل في التوعية بالخدمات والمبادرات المجتمعية الرسمية. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في بعض الأعمال التي تضمنت الإشارة إلى مؤسسات الدولة وبرامجها، مثل إبراز الخط الساخن الخاص بـ المجلس القومي للمرأة، أو الترويج لمبادرات توعوية مثل مودة.
يندرج هذا التوجه ضمن ما يمكن تسميته بـ"الوظيفة الإرشادية للدراما"، حيث يتم دمج الرسائل التوعوية داخل البناء السردي للعمل الفني، بحيث يتعرض المشاهد لمشكلة اجتماعية (كالعنف الأسري أو التفكك العائلي)، ثم يُقدَّم له في سياق الأحداث مسار مؤسسي للحل، كالاتصال بجهة رسمية أو الاستفادة من برنامج توعوي. وهنا لا تكتفي الدراما بتشخيص الظاهرة، بل تنتقل إلى مستوى التدخل غير المباشر في تشكيل سلوك الأفراد.
من منظور سوسيولوجي، يمكن تفسير هذه الظاهرة في إطار عدة اتجاهات نظرية. أولها، اعتبار الدراما أداة من أدوات الضبط الاجتماعي غير المباشر، حيث تساهم في ترسيخ القيم المقبولة اجتماعيًا، وتوجيه الأفراد نحو أنماط سلوك محددة تتماشى مع السياسات العامة. ثانيها، أنها تمثل وسيلة لتعزيز ما يُعرف بـ"الثقة المؤسسية"، إذ تساعد في تقريب المسافة بين المواطن ومؤسسات الدولة من خلال تقديمها بصورة أكثر إنسانية وقربًا من الواقع اليومي.
كما يعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا من صناع الدراما وصناع القرار على حد سواء، بأن الوسائل التقليدية للتوعية (كالحملات الإعلامية المباشرة) لم تعد كافية للوصول إلى الجمهور، خاصة في ظل التغيرات في أنماط الاستهلاك الإعلامي. ومن ثم، أصبحت الدراما – خصوصًا في موسم رمضان الذي يحظى بأعلى نسب مشاهدة – منصة فعالة لتمرير الرسائل المجتمعية في قالب جذاب وغير مباشر.
ومع ذلك، لا يخلو هذا الاتجاه من بعض الانتقادات. إذ يرى بعض الباحثين أن إدماج الرسائل الرسمية داخل الدراما قد يؤدي أحيانًا إلى تسطيح القضايا الاجتماعية أو تقديم حلول مثالية لا تعكس تعقيد الواقع، كما قد يُنظر إليه باعتباره نوعًا من "التوجيه الرمزي" الذي يخدم صورة المؤسسات أكثر مما يخدم فهمًا نقديًا للمشكلات.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن الدراما الرمضانية في مصر لم تعد مجرد انعكاس للواقع الاجتماعي، بل أصبحت فاعلًا مؤثرًا في تشكيله، من خلال دورها في نشر الوعي بالخدمات المجتمعية وتوجيه الأفراد نحو الاستفادة منها. ويبقى التحدي الحقيقي هو تحقيق التوازن بين الوظيفة التوعوية والعمق الفني، بحيث تظل الدراما قادرة على الإمتاع والإقناع في آنٍ واحد، دون أن تفقد مصداقيتها أو تتحول إلى مجرد أداة دعائية.
تعليقات
إرسال تعليق