التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تغيب الأنفاس، وتبقى المرأة وحدها.. من يُؤنس قلبها؟


 

بقلم/ المستشارة شيماء سحاب

المحامية بالنقض والدستورية العليا

علَّقت قارئة جميلة على مقالي المعنون بتساؤل "ما الذي يجعل المرأة تبدو أكبر من عمرها؟"، فقالت: (طب اللي توفي عنها زوجها أو طلقها مين يعوضها الحنان ويعطيها الحب لكي تتقدم إلى الأمام وتعطي لأولادها الحب والعيشة الكريمة؟) وهذا سؤال وتعليق في غاية العمق، بل هو الامتحان الحقيقي لفكرة مقالي المذكور آنفا.

ولهذا صغتُ للإجابة على سؤال الأخت الفاضلة مقالًا مستقلًا يجيب بصدق دون مثالية زائفة:

تمرّ المرأة في رحلةٍ عميقة من التحوّل، تبدأ من البحث عن القبول في عيون الآخرين، ثم تمضي في دروب العطاء والتضحية، وتنضج عبر التجربة والتصالح مع الذات، حتى تبلغ مرتبة الحكمة… حيث تدرك أن لطف الله لا ينفك عنا بل يلاحقنا في فرحنا وفي حزننا.. في صحونا وفي منامنا.

ومع ذلك، فالسؤال الذي يطرحه الواقع بقسوة:

حين تفقد المرأة زوجها —بوفاةٍ أو طلاق—  من يُؤنس قلبها؟ من يمنحها الحنان الذي كانت تستند إليه؟ من يعوّضها عمّا انكسر فيها؟

الإجابة -بلا شك-  ليست سهلة، ولا ينبغي أن تكون مثالية. فالمرأة في هذه اللحظة لا تحتاج إلى شعارات، بل إلى حقيقةٍ تُسندها:

أنها —رغم الفقد— ليست وحدها كما تظن.

نعم، يغيب الزوج، لكن لا يغيب الله.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي: من الاتكاء على بشرٍ محدود، إلى الثقة في تدبيرٍ لا يخطئ.

قد لا يأتي التعويض في صورة زوجٍ آخر، وقد لا يكون الحنان دائمًا من مصدرٍ واحد، لكنه يتسرّب إلى حياتها بطرق خفية:

في طمأنينةٍ  وسكينة مفاجئة لم تكن تتوقعها،

في قوةٍ لم تكن تعرفها في نفسها،

في قلوبٍ تحيط بها دون انتظار مقابل،

وفي أبنائها الذين يصبحون —بلا وعي— مصدرًا لحب الحياة لا عبئًا تضيق به النفس.

تدرك حينها معنى عميقًا: أن يُؤنسك الله بالتدبير، فلربما في المنع كل العطاء.

وأن علم الله سابق، ولكل خيرٍ سائق.

فتتعلّم أن تنزع قلبها من القلق، وأن تقول للأيام:

امضي… فأنا أستخير الله فيك بعلمه المحيط وقدرته التي لا تعرف الحدود.

ليس معنى هذا أن الألم يزول، ولا أن الفقد يُنسى، لكن معناه أن الإنسان لا يُترك مكسورًا إلى الأبد.

فكم من امرأةٍ ظنّت أن الحياة توقفت، ثم إذا بها تكتشف أنها بدأت من جديد.. بشكلٍ أعمق، وأصدق، وأقوى.

إن المحن —في ظاهرها قاسية— لكن في طيّاتها ألطاف خفية، لا تُدرك إلا بعد الصبر.

قد ترى الأمنيات تتبدد، وقد تشعر أن الحياة تضيق، لكن لطف الله يلاحق الإنسان، حتى يأتي الفرج في الوقت الذي لا يُتوقع.

وهنا فقط، نفهم معنى الآية الكريمة: ﴿اللهُ لطيفٌ بعباده﴾.

فالمرأة التي فقدت سندها، لم تفقد قيمتها، ولم تُسلب قدرتها على الحب والعطاء.

بل لعلها —في صمتها وصبرها— تصنع من نفسها سندًا لغيرها، وتمنح أبناءها حبًا خرج من رحم الألم… فكان أصدق وأبقى وأعمق.

الخلاصة: ليس كل تعويضٍ يكون ماديًا، ولا كل حبٍّ يأتي من زوج.

أحيانًا… يكون التعويض في قلبٍ نقي، وروحٍ أهدأ، ويقينٍ بالله لا يتزعزع.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...