التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقيقة في زمن الحروب: من يملك الرواية؟



كتبت بسنت أحمد لبيب:


في أوقات الحروب لا يصبح الصراع مقتصرًا على الأرض أو السلاح فقط، بل يمتد أيضًا إلى ساحة أخرى لا تقل تأثيرًا: ساحة الرواية الإعلامية.


فكل حرب لا تنتج فقط أحداثًا ووقائع، بل تنتج كذلك روايات متعددة تحاول تفسير ما حدث وتقديمه للجمهور من زوايا مختلفة. وهنا لا يدور التنافس فقط حول ما جرى، بل حول الطريقة التي يُروى بها ما جرى.


في هذا السياق، تصبح الحقيقة نفسها موضوعًا للنقاش، لأن ما يصل إلى الجمهور غالبًا ما يكون نتيجة عملية معقدة من الاختيار والتفسير والعرض الإعلامي.


فوسائل الإعلام لا تنقل الأحداث بشكل آلي أو محايد تمامًا، بل تقدمها ضمن سياقات معينة، من خلال اختيار العناوين والصور واللغة المستخدمة في السرد.


وقد يؤدي هذا الاختيار  حتى دون قصد إلى إبراز جوانب معينة من الحدث وإخفاء جوانب أخرى، مما يجعل الصورة التي تتشكل في وعي الجمهور جزءًا من واقع أوسع وأكثر تعقيدًا.


ومع تطور الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت عملية إنتاج الروايات أكثر تعددًا وتشابكًا. فلم يعد الإعلام التقليدي وحده هو من ينقل الأخبار، بل أصبح الأفراد أنفسهم ينشرون الصور والمقاطع المصورة والتعليقات من مواقع الأحداث.


هذا التدفق الكبير للمعلومات أتاح فرصًا أكبر للوصول إلى مصادر متعددة، لكنه في الوقت نفسه جعل المشهد الإعلامي أكثر ازدحامًا بالروايات المختلفة.


فقد يظهر الحدث الواحد في صور متعددة، تختلف باختلاف المصدر أو زاوية التناول أو الخلفية التي يتم تقديمه من خلالها.


وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن للجمهور أن يقترب من فهم الحقيقة وسط هذا التعدد في الروايات؟


الإجابة لا تكمن في البحث عن رواية واحدة مطلقة، بل في امتلاك القدرة على قراءة المحتوى الإعلامي بوعي نقدي، وفهم أن كل رواية تمثل زاوية من زوايا الحدث.


وهنا تظهر أهمية التربية الإعلامية، التي تمنح الأفراد أدوات تحليل الرسائل الإعلامية وفهم السياقات التي تُنتج فيها الأخبار والصور.


فالمتلقي الواعي لا يتعامل مع ما يراه بوصفه الحقيقة الكاملة، بل بوصفه جزءًا من صورة أكبر تحتاج إلى قراءة متأنية ومقارنة بين مصادر متعددة.


إن الحروب لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل تُخاض أيضًا في ميادين السرد الإعلامي، حيث تتنافس الروايات على تشكيل إدراك الجمهور لما يحدث.


وفي عالم تتسارع فيه الأخبار والصور، يصبح الوعي الإعلامي هو الوسيلة الأهم للحفاظ على القدرة على فهم الواقع بعيدًا عن الانجراف وراء رواية واحدة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...