كتبت بسنت أحمد لبيب
لم يعد الحديث عن التربية الإعلامية اليوم ترفًا فكريًا أو خيارًا معرفيًا مؤجّلًا، بل تحوّل إلى ضرورة وجودية في عالم يتشكل بوتيرة تتجاوز قدرة الإنسان على الاستيعاب اللحظي. فنحن لا نعيش مجرد طفرة تقنية، بل نواجه تحوّلًا عميقًا في بنية المعرفة ذاتها، أعاد طرح سؤال الحقيقة بوصفه إشكالية مفتوحة، لا إجابة جاهزة لها.
في هذا السياق، لم يعد الوصول إلى الحقيقة فعلًا بسيطًا قائمًا على تتبع المعلومات، بل أصبح ممارسة نقدية معقدة، تتطلب وعيًا بالآليات الخفية التي تنتج بها الرسائل الإعلامية، في بيئة تتداخل فيها الخوارزميات مع الإدراك البشري على نحو غير مسبوق.
لقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية الاتصالية، فلم يكتفِ بإعادة تشكيل أدوات الإنتاج، بل امتد ليعيد تعريف طبيعة المحتوى ذاته، الذي لم يعد تعبيرًا بشريًا خالصًا، بل بناءً خوارزميًا هجينًا، قادرًا على محاكاة الواقع بدرجة عالية من الإقناع. وهو ما أدى إلى زعزعة أسس المصداقية التقليدية، وفتح المجال أمام تساؤلات عميقة حول حدود التمييز بين ما هو واقعي وما هو مصنع
وتتجسد هذه الإشكالية بوضوح في تصاعد ظاهرة "التزييف العميق"، التي لم تعد مجرد تطور تقني، بل تحوّلت إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع نفسه، عبر إنتاج صور ومقاطع مرئية وصوتية تتسم بدرجة عالية من الدقة، بما يجعلها قادرة على توجيه الإدراك العام، وإعادة صياغة الوعي الجمعي.
وهنا، لم تعد الأزمة في نقص المعلومات، بل في وفرتها المربكة؛ حيث تتجاور الحقيقة مع الزيف داخل فضاء إعلامي واحد، دون فواصل واضحة، الأمر الذي يضع المتلقي أمام حالة من "اللايقين المعرفي"، يصعب معها بناء موقف أو تبنّي رؤية مستقرة.
في ظل هذا التعقيد، لم يعد السؤال: "ما الحقيقة؟" بقدر ما أصبح: "كيف نقترب منها؟". والإجابة لا تكمن في تعدد المصادر بقدر ما تكمن في امتلاك أدوات تحليلية قادرة على تفكيك الخطاب الإعلامي، وفهم بنيته، والكشف عن مقاصده.
ومن هنا، تبرز التربية الإعلامية بوصفها ممارسة معرفية تتجاوز حدود المهارة، لتصبح إطارًا فكريًا يعيد تمكين الفرد داخل بيئة إعلامية مضطربة. فهي لا تعنى فقط بتعليم الأفراد كيفية استهلاك المحتوى، بل بكيفية مساءلته، وإعادة قراءته في ضوء سياقاته المختلفة.
إن التربية الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي تعني إدراك أن كل رسالة إعلامية هي بناء منتج، لا انعكاس محايد للواقع وتعني أيضًا تبني موقف نقدي قائم على الشك المنهجي، لا بوصفه إنكارًا للحقيقة، بل كمدخل ضروري للاقتراب منها.
وبهذا المعنى، لا يصبح المتلقي مجرد مستقبل سلبي للرسائل، بل فاعلًا في إعادة إنتاج معناها، من خلال المقارنة والتحليل وربط المعطيات بسياقات أوسع.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الفجوة المتنامية بين تسارعها، وبطء تطور الوعي الإنساني القادر على استيعابها. وفي هذه الفجوة تحديدًا، يتسلل التضليل، ويتشكل الارتباك المعرفي
ومن ثم، تغدو التربية الإعلامية خط الدفاع الأخير عن تماسك المجال العام، في مواجهة حالة من السيولة المعرفية، تختلط فيها الحقائق بالتصورات، والوقائع بالسرديات، والواقع بمحاكاته الرقمية.
يمكن القول إن المستقبل لن يكون حكرًا على من يمتلك الأدوات الأكثر تطورًا، بل على من يمتلك القدرة على فهمها وتفكيكها والتعامل معها بوعي نقدي. فالبقاء في هذا العصر لن يكون للأقوى تقنيًا، بل للأكثر وعيًا بطبيعة ما يراه، وما يُراد له أن يراه.

تعليقات
إرسال تعليق