التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخوف إذ يكمن في البيت: قراءة في جريمة هزّت الضمير الجمعي


بقلم/ د. نجلاء الورداني

لم تعد بعض الجرائم مجرد وقائع عابرة تُسجَّل في دفاتر الحوادث، بل أصبحت علامات فارقة تكشف خللًا عميقًا في بنية المجتمع. الواقعة التي شهدتها محافظة المنوفية لم تهزّ الرأي العام فقط لبشاعتها، بل لأنها كسرت أحد أكثر الافتراضات رسوخًا: أن الأسرة هي الحصن الآمن.

في هذه القضية، لم يكن الخطر قادمًا من الخارج، بل من الداخل ذاته؛ من شخص يفترض فيه الحماية والرعاية. وهنا تكمن الصدمة الحقيقية: حين يتحول موقع السلطة داخل الأسرة إلى أداة للهيمنة، ويُستغل القرب العاطفي والاعتماد النفسي لفرض الصمت والخضوع. ليست الجريمة هنا مجرد اعتداء، بل هي انتهاك مركّب للثقة، وللأمان، وللمعنى ذاته للأسرة.

تكشف هذه الواقعة عن واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية الصامتة: العنف الأسري المغلَّف بالخوف. فالأطفال، بحكم ضعفهم واعتمادهم، قد يجدون أنفسهم أسرى لدوائر مغلقة من التهديد والسكوت، حيث يصبح الإفصاح عن الألم مخاطرة، لا نجاة. وهنا لا يكون الجاني فردًا فقط، بل تمتد المسؤولية إلى بيئة كاملة لم تستطع أن تكتشف، أو لم ترد أن ترى.

إن المجتمع، في مثل هذه الحالات، يميل إلى التعامل مع الجريمة باعتبارها استثناءً شاذًا، بينما هي في حقيقتها مؤشر على خلل بنيوي أعمق: غياب آليات فعّالة للحماية، ضعف الوعي، وثقافة تُقدّم "السمعة" على حساب الحقيقة. هذا التواطؤ الصامت – حتى لو كان غير مقصود – يسمح باستمرار مثل هذه الجرائم في الخفاء.

الأخطر من ذلك، أن هذه الجرائم لا تخلّف ضحايا مباشرين فقط، بل تزرع آثارًا ممتدة في بنية المجتمع نفسه؛ إذ تزعزع الثقة في العلاقات الأساسية، وتخلق أجيالًا مثقلة بالخوف، والشك، والانكسار النفسي. إننا أمام جريمة لا تُقاس بحدودها الزمنية، بل بعمق تأثيرها الممتد.

إن مواجهة مثل هذه الوقائع لا تبدأ فقط بالعقاب، بل بإعادة النظر في منظومة الحماية الاجتماعية ككل: من دور الأسرة، إلى المدرسة، إلى المؤسسات القانونية والإعلامية. نحن بحاجة إلى ثقافة تُشجّع على الإفصاح لا الصمت، تحمي الضحية لا تُدينها، وتُعيد تعريف الأمان باعتباره حقًا لا امتيازًا.

في النهاية، لا تكمن خطورة هذه الجريمة في تفاصيلها وحدها، بل في الرسالة التي تحملها: أن الخطر قد يكون أقرب مما نتصور، وأن الصمت – مهما طال – لا يمكن أن يكون حلًا. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على إدانة الجريمة، بل بقدرتها على منعها قبل أن تولد في الظل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...

العدل + التسامح= مجتمع خالٍ من الجريمة والاحتراب الأهلي

صمم طلاب الفرقة الرابعة بتربية عين شمس مشروع تخرج يتضمن حملة أخلاقية تربوية بعنوان "القيم الروحية وتأثيرها على الفرد والمجتمع.. قيمتي العدل والتسامح نموذجا".  يأتي المشروع تحت إشراف الدكتورة آمال محمد ربيع عبد الوهاب المدرس بقسم الفلسفة الإسلامية كلية التربية جامعة عين شمس. وتقوم فكرة المشروع  على أن نشر قيم العدل والتسامح بين الناس في المجتمع من الأساسيات المهمة التي تساعد على بناء مجتمع متماسك متوازن يختفي فيه العنف والاحتراب الأهلي والمجتمعي. ويسلط المشروع الضوء على ظاهرة التكالب على الأمور المادية المبالغ فيها على حساب الجوانب الروحية والفكرية، ويشجيع أولياء الأمور على تنشئة النشء على العدل والتسامح والتغافر وفق تعاليم الدين ومبادئه الأمر الذي يُخفف من  حدة تدهور الأخلاق والتفكك الأسري والمجتمعي ويحد من ظواهر عدة باتت تؤرق المجتمع مثل العنف والتعصب والانتحار والإلحاد وافتقاد القدوة الصالحة. كما يحاول المشروع التوعية بأهمية القيم الروحية في الإسلام، وبخاصة العدل والتسامح ودورها في تهذيب سلوك الفرد وتعزيز التماسك المجتمعي كاختيار حكيم يقود وحدات المجتمع نحو الاستقرار ال...

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...