حكيم بن حزام رضي الله عنه شخصية استثنائية، وتكاد تكون فريدة في التاريخ الإسلامي لعدة أسباب تجعلها مادة ثرية جداً للتأمل والبحث، سواء من الناحية التاريخية أو الإنسانية.
أبرز الملامح التي تجعل من حكيم بن حزام شخصية "لافتة":
1. "مولود الكعبة"
هو الشخص الوحيد الذي تواتر في الروايات التاريخية أنه وُلد داخل الكعبة المشرفة. دخلت أمه الكعبة مع نسوة من قريش، فضربها الطلق فولدت هناك، وهذا أعطاه خصوصية ومكانة اجتماعية حتى قبل الإسلام.
2. المعمّر الذي عاش عصرين بالتساوي
عاش حكيم بن حزام 120 عاماً، والمدهش في الأمر أنها انقسمت بالتمام والكمال:
60 عاماً في الجاهلية: كان فيها من سادات قريش، ومن "أهل الرفادة" (المسؤولين عن إطعام الحجيج)، وكان صديقاً مقرباً للنبي ﷺ قبل البعثة.
60 عاماً في الإسلام: أسلم يوم فتح مكة، وعاش حتى خلافة معاوية بن أبي سفيان.
3. الصداقة مع النبي ﷺ والسيدة خديجة
كان حكيم بن حزام ابن أخ السيدة خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها)، وكان صديقاً للنبي ﷺ في الجاهلية وتجارتهما كانت متصلة. ورغم تأخره في الإسلام حتى الفتح، إلا أنه كان دائماً محل تقدير النبي ﷺ، الذي قال يوم الفتح: "من دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن" (بجانب دار أبي سفيان)، وهذا تكريم عظيم.
4. قصة "بيعة ألا يسأل أحداً شيئاً"
هذا الجانب هو الأكثر إلهاماً في شخصيته بعد إسلامه. حكيم بن حزام سأل النبي ﷺ من الغنائم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال له النبي ﷺ: "يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلوة.. فمن أخذه بسخاوة نفس بُورك له فيه". بعد هذا الموقف، قطع حكيم على نفسه عهداً ألا يسأل أحداً شيئاً بعد النبي ﷺ. لدرجة أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يدعوانه ليعطياه حقه من الغنائم وبيت المال، فكان يرفض تماماً أن يأخذ درهماً واحداً من أحد حتى توفي.
5. عقلية التاجر الشهم
كان حكيم من كبار تجار قريش، ولم يترك التجارة في الإسلام، لكنه سخرها للعطاء. ويُروى أنه كان يحزن بشدة إذا مر عليه يوم ولم يجد فقيراً يحسن إليه، وكان يقول: "ما أصبحت وفي بابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها"، لأنه يرى أن عدم قصد المحتاجين له "نقص في البر".
ما سبق جعل حكيم بن حزام يمثل نموذجاً للمثقف (بمعايير عصره) والتاجر الذي جمع بين عزة النفس الجاهلية، وزهد وورع الإسلام.
إن نضج حكيم بن حزام -الذي ناهز الستين عند إسلامه- وخبرته العريضة كتاجر وسياسي في قريش جعلت لرواياته طابعاً عملياً، خاصة في فقه المعاملات والأخلاق المالية.
بالفعل، ذكر الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن أحاديث حكيم بن حزام المتفق عليها (التي أخرجها البخاري ومسلم معاً) هي أربعة أحاديث. وتمتاز هذه الأحاديث بأنها قواعد شرعية كبرى، وإليك هي:
1. حديث "البيعان بالخيار" (قاعدة الصدق في التجارة)
هذا الحديث هو عمدة فقه البيوع، وفيه يقول النبي ﷺ:
"البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَتَما وكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما". وهنا تظهر حكمة حكيم التاجر؛ حيث نقل لنا قانون "البركة" المرتبط بالشفافية والصدق.
2. حديث "اليد العليا خير من اليد السفلى" (قاعدة التعفف)
يرتبط هذا الحديث بقصته الشخصية التي ذكرتُها لك سابقاً حين سأل النبي ﷺ، فقال له:
"يا حَكِيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أخَذَهُ بسَخاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَن أخَذَهُ بإشْرافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ له فيه... واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى". وهو الحديث الذي بسببه آلى حكيم على نفسه ألا يأخذ من أحد شيئاً حتى مات.
3. حديث "لا تبيع ما ليس عندك" (قاعدة الضبط المالي)
سأل حكيم بن حزام النبي ﷺ عن الرجل يأتيه فيريد منه البيع وليس عنده، فيذهب فيشتريه له من السوق ثم يبيعه، فقال له النبي ﷺ:
"لا تَبِعْ ما ليسَ عِنْدَكَ". وهذا الحديث أصل في تحريم الغرر وبيع المجهول، ويدل على تحري حكيم للدقة في مكاسبه منذ بداياته في الإسلام.
4. حديث "أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية" (قاعدة نفع العمل الصالح)
لأن حكيم كان صاحب بر وصلة رحم في الجاهلية، سأل النبي ﷺ: هل لي فيها أجر؟ فقال له النبي ﷺ جملة ذهبت مثلاً:
لماذا رواية حكيم لها ثقل خاص؟"أسْلَمْتَ علَى ما سَلَفَ لكَ مِن خَيْرٍ". وهو حديث يبعث الطمأنينة في قلب كل من قدم خيراً قبل هدايته، ويؤكد أن الإسلام يُبنى على مكارم الأخلاق السابقة ولا يهدمها.
كما تفضلت، حكيم لم يكن مجرد ناقل، بل كان "ممارساً". عندما يروي عن البركة في البيع، فهو يتحدث وهو "سيد تجار مكة". وعندما يروي عن التعفف، فهو الرجل الذي رفض عطايا الخلفاء تعففاً. لذا تجد في روايته "روح التجربة" وليست فقط جودة النقل.
تعليقات
إرسال تعليق