التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التحولات الهيكلية في النظام المالي للدولة الإسلامية المبكرة: دراسة في فلسفة الخراج والجزية وإدارة الزكاة



بقلم أ.د. أنس عطية الفقي

أستاذ الدراسات العربية والإسلامية جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا


"تناقش هذه المقالة التطورات التاريخية والتشريعية التي طرأت على النظام المالي في الدولة الإسلامية منذ عصر النبوة والراشدين وصولاً إلى العصرين الأموي والعباسي. تركز الدراسة على ثلاثة محاور أساسية: انتقال الزكاة من طابعها الإلزامي المركزي إلى الاختيارية الفردية، ونشأة نظام الخراج كبديل للإقطاع الروماني والفارسي، وفلسفة الجزية كبديل للخدمة العسكرية. وتستند المقالة إلى مصادر تراثية أصيلة وشهادات لمستشرقين وباحثين غير مسلمين لتوثيق هذه التحولات".


تمهيد

لم يكن قيام الدولة الإسلامية مجرد حدث سياسي عابر، بل كان انقلاباً جذرياً في المفاهيم المالية والاقتصادية التي كانت سائدة في العالم القديم. فبينما كانت الإمبراطوريتان الساسانية والبيزنطية تعتمدان على نظم ضريبية قائمة على الامتصاص والتبعية الإقطاعية، قدم الإسلام نموذجاً مالياً يجمع بين التكافل الاجتماعي (الزكاة) والعدالة الضريبية (الخراج) والتعاقد السياسي (الجزية). تهدف هذه المقالة إلى تحليل هذه النظم وتوثيق أثرها على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لأهل الأمصار المفتوحة.


مؤسسة الزكاة وتحولها نحو الاختيارية

في صدر الإسلام، كانت الزكاة تُمثل الركيزة المالية الأولى للدولة، حيث كان النبي ﷺ يرسل السعاة لجمعها وتوزيعها على المصارف الشرعية. استمر هذا النهج في عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، حيث كانت الدولة هي المسؤولة عن جمع الزكاة بشقيها (الأموال الظاهرة والباطنة).


1. قرار عثمان بن عفان ونقطة التحول:

مع اتساع رقعة الدولة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، برزت تحديات إدارية واجتماعية. فقد رأى عثمان أن تفتيش جباة الدولة عن الأموال "الباطنة" (كالذهب والفضة والسيولة) داخل البيوت قد يمس خصوصيات الناس ويؤدي إلى حرج اجتماعي. ومن هنا أصدر قراره التاريخي بتقسيم الأموال:


الأموال الظاهرة: (الأنعام والزروع) تظل الدولة مسؤولة عن جمعها وتوزيعها.


الأموال الباطنة: أُنيط إخراج زكاتها بأمانة الأفراد أنفسهم، بحيث يخرجها المسلم لمستحقيها مباشرة دون وساطة الدولة.


هذا التحول كان بمثابة بداية لـ "خصخصة" الجانب التكافلي في الدولة، مما سمح بنشوء علاقة مباشرة بين الفرد والمجتمع، وخفف من العبء البيروقراطي على بيت المال.

ظهور نظام الضرائب (المكوس)

يجب التفرقة بين "الخراج" و"الجزية" (وهي أنظمة شرعية مبكرة) وبين "المكوس".

  1. بداية المكوس: بدأت تظهر بشكل أوضح مع توسع الدولة الأموية والعباسية. "المكس" لغةً هو النقص أو الجباية، واصطلاحاً هو ما يُؤخذ من التجار عند مرورهم بحدود أو أسواق معينة (تشبه الرسوم الجمركية اليوم).

  2. لماذا سميت مكوساً؟: سُميت بذلك لأنها كانت تُعتبر زيادة "تنقص" من أموال الناس بغير حق شرعي منصوص عليه في الزكاة، ولذلك ارتبطت في التاريخ والحديث النبوي بلفظ "صاحب مكس" كإشارة للجباية التي تُؤخذ ظلماً أو خارج إطار المصارف الشرعية.

  3. الفرق بينها وبين الزكاة: الزكاة فريضة دينية محددة المصارف، بينما المكوس كانت ضرائب تفرضها الدولة لتغطية نفقات الجيش، والحروب، ورواتب الموظفين، وبناء القصور، خاصة عندما لم تعد موارد الزكاة أو الخراج كافية لتغطية طموحات أو مصاريف الدولة المتزايدة.

متى انتهى نظام "جمع" الزكاة رسمياً؟

لم ينتهِ فجأة، بل تآكل تدريجياً:

  • في العصر الأموي: استمر الجمع لكنه بدأ يشوبه بعض المظالم في طرق الجباية.

  • في العصر العباسي: مع ضعف السلطة المركزية واستقلال الأقاليم، أصبح لكل إقليم نظامه المالي الخاص، وتحول الاعتماد الكلي للدولة على "الضرائب الأرضية" (الخراج) و"المكوس التجارية"، بينما تُركت الزكاة في أغلب الأحيان لتكون علاقة مباشرة بين الفرد وربه، باستثناء بعض الفترات التي حاول فيها خلفاء معينون إعادة تنظيمها.

لماذا حدث هذا؟ ببساطة، لأن الزكاة لها "مصارف ثمانية" محددة في القرآن (للفقراء، المساكين.. إلخ)، ولا يجوز للحاكم شرعاً استخدامها في بناء الجسور أو تجهيز الأساطيل أو رواتب الدواوين. لذا اضطرت الدولة لابتكار نظام "المكوس والضرائب" لتوفير ميزانية تشغيل الدولة بعيداً عن أموال الزكاة المخصصة للضمان الاجتماعي.

نظام الخراج كأداة للتحرر من الإقطاع

موضوع الخراج يُعد أحد أهم وأعقد النظم المالية التي قامت عليها الدولة الإسلامية تاريخياً، وهو يختلف جوهرياً عن الزكاة والجزية من حيث الفلسفة والتطبيق.

إذن، الخراج هو الضريبة التي تُفرض على الأراضي المفتوحة، وهو نظام يختلف جوهرياً عن الزكاة. فبينما الزكاة فريضة على "الشخص"، فإن الخراج حق على "الأرض".

ويمكننا التفصيل بصورة واضحة فنقول:

1. ما هو الخراج؟ (التعريف)

الخراج هو ضريبة تُفرض على "الأرض" التي فتحها المسلمون صلحاً أو عنوة (حرباً)، وبقيت في يد أهلها يزرعونها مقابل دفع قدر معلوم من المال أو المحصول للدولة.

  • الفرق الجوهري: الزكاة ضريبة على "الشخص" (المسلم) و"ماله"، أما الخراج فهو حق على "الأرض" ذاتها، بغض النظر عن ديانة صاحبها (سواء ظل صاحبها غير مسلم أو أسلم لاحقاً، فالخراج يبقى على الأرض).


2. النشأة الكبرى (عهد عمر بن الخطاب)

تعتبر موقعة "سواد العراق" في عهد الخليفة عمر بن الخطاب هي التأسيس الفعلي لهذا النظام.

  • بعد فتح العراق، طالب بعض الصحابة (مثل بلال بن رباح) بتقسيم الأراضي على المقاتلين كغنائم.

  • لكن عمر بن الخطاب رأى رؤية "استراتيجية" مغايرة؛ فقرر إبقاء الأرض في يد أهلها الأصليين الذين يعرفون طرق زراعتها، مقابل مبلغ سنوي يدفعونه لبيت المال.

  • السبب: أراد عمر تأمين مورد مالي مستدام للدولة (لصرف رواتب الجند، حماية الثغور، وإعمار المدن) للأجيال القادمة، بدلاً من توزيعها فتصبح ملكية خاصة وتنقطع موارد الدولة منها.


3. أنواع الخراج (كيف كان يُحسب؟)

كان الخراج يُجبى بطريقتين أساسيتين حسب تطور الإدارة:

  1. خراج المقاسمة: وهو نسبة مئوية من المحصول (مثل السدس أو الربع). تزيد وتنقص حسب جودة المحصول والموسم.

  2. خراج الوظيفة (المساحة): وهو مبلغ ثابت يُحدد بناءً على مساحة الأرض ونوع المزروعات (مثلاً: درهم على جريب القمح، درهمان على الكروم). وهذا يتطلب مسحاً دقيقاً للأراضي.


4. لماذا يعتبر "عصب الدولة"؟

في العصور الأموية والعباسية، كان الخراج هو المصدر الأول والأساسي لميزانية الدولة.

  • بينما كانت الزكاة تذهب لمصارفها الثمانية (خاصة الفقراء والمساكين).

  • كان الخراج يغطي: بناء الجسور، القناطر، الرواتب الإدارية، وتجهيز الجيوش.


5. هل يسقط الخراج بإسلام صاحب الأرض؟

هذه كانت نقطة جدلية تاريخية كبرى:

  • القاعدة المستقرة: أن الخراج لا يسقط؛ لأنها ضريبة "أرض" وليست ضريبة "رأس". إذا أسلم المزارع، تسقط عنه "الجزية" (التي سنتحدث عنها لاحقاً)، لكنه يستمر في دفع "الخراج" عن الأرض، ويُطالب أيضاً بـ "الزكاة" على ما يتبقى في يده من مال إذا بلغ النصاب.

1. عبقرية عمر بن الخطاب في "سواد العراق":

بعد فتح العراق، حدث سجال كبار بين الصحابة حول مصير الأراضي. فبينما طالب البعض بتقسيمها كغنائم، أصر عمر بن الخطاب على بقائها في يد أهلها الأصليين. كانت رؤية عمر تهدف إلى استدامة الموارد للدولة (للجيش والثغور والرواتب) وضمان بقاء الفلاح في أرضه.


2. المقارنة مع النظم السابقة (الروم والفرس):

تؤكد الوثائق التاريخية والبرديات (كما أشار المستشرق ألفريد بتلر في كتابه "فتح العرب لمصر") أن الفلاح المصري كان في العهد الروماني "قناً" مرتبطاً بالأرض، يُسلب محصوله لصالح النبلاء. وحين جاء الإسلام، حول الخراجُ الفلاحَ إلى "صاحب حق منفعة"؛ فالدولة تملك الرقبة، والفلاح يملك حق الزراعة والتوريث، مقابل ضريبة عادلة تُحسب بناءً على طاقة الأرض ونوع المحصول.


3. أنواع الخراج وتطوره:

تدرج النظام من "خراج الوظيفة" (مبلغ ثابت على المساحة) إلى "خراج المقاسمة" (نسبة من المحصول)، وهو ما يعكس مرونة النظام المالي الإسلامي في مواكبة المتغيرات الاقتصادية ومواسم الجدب والرخاء.

هل كان الخراج موجوداً قبل الإسلام؟

نعم، وبشكل موسع جداً. المسلمون لم يخترعوا فكرة "الضريبة على الأرض" من العدم، بل وجدوها نظاماً مستقراً في الإمبراطوريتين العظميين (الفرس والروم):

  • عند الفرس (العراق وإيران): كان هناك نظام يسمى "الخراج" (وهي كلمة قد تكون معربة من الفارسية "خراج" أو "خرك"). وقبل الإسلام بفترة وجيزة، قام الملك الفارسي "كسرى أنوشروان" بإصلاح مالي شهير، حيث وضع ضريبة ثابتة على مساحة الأرض ونوع الزرع (نفس فكرة خراج الوظيفة التي طبقها عمر بن الخطاب لاحقاً).

  • عند الروم (مصر والشام): كان الروم يطبقون نظاماً ضريبياً صارماً جداً على الأراضي يسمى (Tributum Soli). في مصر تحديداً، كان الفلاح المصري يرزح تحت أعباء ضريبية مركبة (ضريبة على الأرض، وضريبة على المحصول، وضريبة على الرأس).

2. ما الذي أضافه المسلمون (عمر بن الخطاب) لهذا النظام؟

حين جاء عمر بن الخطاب وفتح العراق ومصر، لم يلغِ النظام بالكامل لأنه كان نظاماً إدارياً ناجحاً، لكنه أدخل عليه تعديلات "أخلاقية وحقوقية":

  1. العدل في التقدير: أمر عمر بمسح الأراضي (قياسها بدقة) لضمان عدم ظلم الفلاح، ووضع قاعدة ذهبية تقول: "انظروا ما تطيق الأرض"، أي لا تُكلفوا الفلاح فوق طاقته.

  2. إلغاء الضرائب العشوائية: ألغى المسلمون الكثير من "الضرائب الإضافية" التي كان يفرضها الروم والفرس (مثل ضرائب الاحتفالات أو هدايا الحكام).

3. ملكية الأرض: لمن كانت قبل الإسلام؟

هذه هي النقطة الأهم، والفرق فيها جوهري:

  • قبل الإسلام (الإقطاع):

    • في النظام الروماني (مصر والشام)، كانت أغلب الأراضي ملكاً للإمبراطور، أو الكنيسة، أو النبلاء الروم. الفلاح المصري لم يكن يملك الأرض، بل كان "قناً" (شبه عبد) مرتبطاً بالأرض، يزرعها لسيده ويأخذ الفتات.

    • في النظام الفارسي، كانت الأرض ملكاً لطبقة "الدهاقين" والنبلاء وكبار رجال الدولة، والفلاح مجرد أجير أو تابع.

  • بعد الفتح الإسلامي:

    • جاء قرار عمر بن الخطاب التاريخي بترك الأرض في يد الفلاحين الأصليين.

    • حق الرقبة وحق المنفعة: اعتبرت الدولة الإسلامية أن "رقبة الأرض" (ملكية الأصل) هي ملك لبيت مال المسلمين (كأصل عام للدولة)، لكن "حق المنفعة" والزراعة والتصرف هو للفلاح.

    • بمعنى أن الفلاح أصبح من حقه أن يزرع ويورث الأرض لأبنائه ما دام يدفع الخراج، ولا يملك أحد (ولا حتى الخليفة) أن يخرجه منها. وهذا أعطى الفلاح استقراراً لم يعرفه في عهد الروم أو الفرس الذين كانوا ينقلون ملكية الأراضي والمزارعين معها كالمتاع.

مسألة "الجزية" وفلسفة البديل العسكري

موضوع الجزية من أكثر المواضيع التي أُحيطت بهالة من الجدل، لكن عند تحليلها من منظور "التاريخ المالي والسياسي" بعيداً عن العواطف، تظهر كجزء من منظومة قانونية متكاملة كانت سائدة في العصور الوسطى.

إليك التفاصيل حول تدرجها، فلسفتها، والمقارنة التي طلبها المستشرقون:

1. ما هي الجزية؟ (الفلسفة القانونية)

الجزية في جوهرها كانت "بديل الخدمة العسكرية". في الدولة الإسلامية الناشئة، كان الدفاع عن الدولة واجباً دينياً على المسلمين (الجهاد)، ولأن غير المسلم لا يُطالب بفريضة دينية إسلامية، كان يدفع مبلغاُ لقاء "الحماية" (أي قيام الجيش المسلم بحمايته) ولقاء إعفائه من الاشتراك في الحروب.

  • الدليل التاريخي: هناك حالات مشهورة (ذكرها البلاذري في فتوح البلدان) أن القادة المسلمين ردوا مبالغ الجزية لأهل مدينة "حمص" عندما اضطروا للانسحاب منها ولم يستطيعوا حمايتها، قائلين: "رددنا عليكم أموالكم لأننا لم نعد نقدر على حمايتكم".


2. تدرج الجزية في الدولة الإسلامية

مرت الجزية بمراحل تنظيمية حتى استقرت:

  • عصر النبي ﷺ: كانت تُؤخذ بمبالغ رمزية جداً (مثل دينار واحد عن كل حالم/بالغ في اليمن).

  • عصر عمر بن الخطاب (التنظيم الطبقي): وضع عمر نظاماً "تصاعدياً" يراعي القدرة المالية، فقسمها إلى ثلاث فئات:

    1. الأغنياء: 48 درهماً في السنة.

    2. متوسطو الحال: 24 درهماً في السنة.

    3. العمال والكسبة: 12 درهماً في السنة.

  • العصر الأموي: وقعت بعض التجاوزات في أواخر العصر الأموي، حيث حاول بعض الولاة استمرار أخذ الجزية ممن "أسلموا" حديثاً لتعويض العجز في ميزانية الدولة، وهو ما أبطله الخليفة عمر بن عبد العزيز بصرامة، قائلاً مقولته الشهيرة: "إن الله بعث محمداً داعياً ولم يبعثه جابياً".


3. من الذي كان يُعفى من الجزية؟

خلافاً للضرائب الرومانية التي كانت تلاحق الجميع، كانت الجزية تُسقط عن:

  • النساء والأطفال.

  • الشيوخ والفقراء والعجزة (بل كان يُصرف لهم من بيت المال أحياناً).

  • الرهبان والمتفرغين للعبادة في الصوامع.

  • كل من يشارك في الجيش: إذا اختار المواطن غير المسلم الانضمام للجيش والدفاع عن الدولة، كانت الجزية تسقط عنه فوراً.


4. شهادة المستشرقين (المقارنة مع ضرائب الروم)

الذي أشار إليه "ألفريد بتلر" و"ويل ديورانت" وغيرهم هو أن الجزية كانت "رحمة" مقارنة بالنظام الروماني:

  1. الكم: ضرائب الروم في مصر كانت تشمل (ضريبة الرأس، ضريبة مبيعات، ضرائب مهنية، ضرائب إضافية للمجهود الحربي)، بينما المسلمون حصروا التزام غير المسلم في "الجزية" (للشخص) و"الخراج" (للأرض).

  2. طريقة الجمع: الروم كانوا يستخدمون "نظام الالتزام" القاسي، حيث يُطالب الملتزم بجمع مبلغ معين ويضرب الفلاحين لانتزاعه. بينما في الإسلام، كان هناك نهي نبوي مشدد عن تعذيب الناس في الجزية، وكان يُكتفى بما يفيض عن حاجتهم.

  3. المجموع الكلي: يقول المستشرق "آدم ميتز" في كتابه (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) أن الجزية كانت ضريبة "هينة" جداً، بدليل أن الكثيرين فضلوا البقاء على دينهم ودفعها بدلاً من الدخول في الإسلام لمجرد التهرب المالي، لأن المبلغ لم يكن مؤثراً.


5. لماذا نراها اليوم "غريبة"؟

السبب أننا نقيسها بمقاييس القرن الحادي والعشرين (المواطنة الحديثة التي تفرض التجنيد الإجباري على الجميع). لكن في ذلك العصر، كان من غير المنطقي إجبار شخص على القتال تحت راية دينية لا يؤمن بها، فكان الحل "التعاقدي" هو الجزية.


سقوط الجزية عمن يشارك في الجيش، فهذا ليس مجرد استنتاج، بل هو "واقعة موثقة" في أمهات كتب التاريخ والفتوح. إليك المصادر:

1. الوثيقة التاريخية الأهم: (صلح جرجان)

ذكر الإمام الطبري في كتابه العظيم "تاريخ الرسل والملوك" (أحداث سنة 22 هجرية)، أن القائد المسلم سويد بن مقرن كتب عهداً لأهل جرجان (في بلاد فارس)، وجاء في نص الوثيقة:

"لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم، على أن عليهم الجزية عن كل حالم... وَمَنِ اسْتُعِينَ بِهِ مِنْهُمْ فِي جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ مَكَانَ مَعُونَتِهِ جَزَاؤُهُ فِي سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُ".

هذا النص القاطع يوضح أن المشاركة العسكرية كانت "المعادل الموضوعي" للجزية؛ فمن قدم دمه وجهده للدفاع عن الدولة، سقط عنه المال فوراً.

2. وثيقة (صلح أذربيجان)

ذكر الإمام البلاذري في كتابه "فتوح البلدان" (وهو من أدق المراجع في هذا الباب)، أن القائد حذيفة بن اليمان صالَح أهل أذربيجان على جزية معينة، واستثنى منها:

"مَنْ حُشِدَ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ (أي مَن استُنفر للقتال) فَلا جِزْيَةَ عَلَيْهِ".

3. صلح (شهر براز) مع عمالقة الجبال (الأرمن)

وهذه واقعة فريدة ذكرها الطبري أيضاً، حيث جاء "شهر براز" (أحد قادة الفرس الأرمن) إلى القائد المسلم سراقة بن عمرو وطلب منه طلباً ذكياً، قال له: "أنا أريد أن أقاتل معكم وأكفيكم مؤنة هذه الثغور، فاجعلوا جزيتي هي قتالي معكم". فوافق سراقة بن عمرو، وكتب لعمر بن الخطاب بذلك، فأجازه عمر وباركه. وجاء في النص:

"وَمَنْ حُشِدَ مِنْهُمْ فَلَهُ الْأَمَانُ، وَحَشْدُهُمْ جِزْيَتُهُمْ". (أي أن عملهم العسكري هو البديل التام عن المال).

القيمة العلمية لهذه المصادر:

هذه النصوص تثبت ما يلي:

  • انتفاء معنى "الإذلال": لو كانت الجزية "عقوبة" أو "إذلالاً دينياً" كما يدعي البعض، لما سقطت بالقتال؛ لأن العقوبة لا تسقط بالعمل. لكنها كانت "ضريبة حماية"، فإذا حمت الفئةُ نفسَها وشاركت في حماية غيرها، سقطت عنها الضريبة.

  • المواطنة المبكرة: هذا الفقه الذي وجدته في نصوص (سويد بن مقرن، وحذيفة بن اليمان، وإقرار عمر بن الخطاب) هو أصل فكرة "المواطنة" التي تساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات أمام الدفاع عن الوطن.

 الخلاصة:

تعرض مفهوم الجزية لكثير من التأويلات الخاطئة، إلا أن القراءة الأكاديمية للنصوص التراثية توضح أنها كانت "عقداً مالياً مقابل الإعفاء من الخدمة العسكرية".


1. الجزية كبديل للحماية:

في الدولة الإسلامية، كان الدفاع عن حياض الدولة واجباً على المسلمين وحدهم. ولما كان غير المسلم (الذمي) مواطناً له حق الحماية دون إلزامه بالقتال تحت راية دينية لا يؤمن بها، فُرضت الجزية كمساهمة مالية في ميزانية الجيش الذي يتولى حمايته.


2. الدليل على سقوطها بالمشاركة العسكرية:

لعل أرقى صور العدالة في هذا النظام ما ورد في "تاريخ الطبري" و"فتوح البلدان" للبلاذري، من نصوص صريحة في عهود القادة مثل سويد بن مقرن وحذيفة بن اليمان. فقد نصت هذه المعاهدات على أن: "من استعين به من غير المسلمين في الجند، سقطت عنه الجزية". هذا يثبت أن الجزية لم تكن عقوبة دينية، بل كانت مرتبطة وظيفياً بالعجز عن القتال أو الرغبة في الإعفاء منه.


3. التدرج والمراعاة الاجتماعية:

لم تكن الجزية مبلغاً موحداً، بل كانت تصاعدية تراعي الغني والمتوسط والفقير (12، 24، 48 درهماً سنوياً)، مع إعفاء كامل للنساء والأطفال والشيوخ والرهبان، وهو ما لم يكن موجوداً في الضرائب الرومانية التي كانت تلاحق "الرؤوس" بلا تمييز.


حول شهادات المراجع التاريخية والكنيسة

لا تكتمل هذه المقالة دون العودة إلى شهادة "الآخر". يذكر يوحنا النقيوسي (أسقف مصري عاصر الفتح) في "تاريخ مصر" أن وطأة الضرائب خفت بشكل ملحوظ بعد رحيل الروم. كما يؤكد ساويرس بن المقفع في "تاريخ البطاركة" أن الأمان المالي الذي وفره المسلمون كان سبباً في استقرار الكنيسة واستعادة استقلالها الإداري والمالي.


أما المستشرقون، فقد أجمع باحثون مثل "هارولد بيل" (من خلال دراسته للبرديات) و"ويل ديورانت" على أن النظام المالي الإسلامي كان أكثر إنسانية وتنظيماً من النظم السائدة في تلك العصور، حيث كان يقوم على مبدأ "لا تُحملوا الناس ما لا يطيقون".


الخلاصة

إن دراسة النظام المالي في الدولة الإسلامية المبكرة تكشف عن فلسفة عميقة تقوم على الفصل بين "الموارد التعبدية" (الزكاة) و"الموارد السيادية" (الخراج والجزية والمكوس). لقد نجح هذا النظام في تحويل الفرد من تابع إقطاعي إلى مواطن له حقوق منفعة مستقرة، كما قدم صيغة متقدمة للتعايش من خلال "الجزية" التي كانت في جوهرها اعترافاً بحق الاختلاف الديني مع حفظ حق الدولة في التأمين الدفاعي. إن تحول هذه النظم لاحقاً إلى "مكوس" أو ضرائب تعسفية في بعض العصور المتأخرة كان انحرافاً عن "فقه المقاصد" الذي وضعه الرعيل الأول، لاسيما عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما.


المراجع المعتمدة:

أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم (ت 182هـ): كتاب الخراج، المطبعة السلفية، القاهرة.

الطبري، محمد بن جرير (ت 310هـ): تاريخ الرسل والملوك، دار المعارف، القاهرة.

البلاذري، أحمد بن يحيى (ت 279هـ): فتوح البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت.

أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ): كتاب الأموال، تحقيق محمد خليل هراس، دار الفكر.

ساويرس بن المقفع: سير البيعة المقدسة (تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية).

يوحنا النقيوسي: تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي، ترجمة وتحقيق د. عمر صابر.

ألفريد بتلر: فتح العرب لمصر، ترجمة محمد فريد أبو حديد.

ويل ديورانت: قصة الحضارة، المجلد الرابع (عصر الإيمان).

هارولد بيل: مصر من الإسكندر الأكبر حتى الفتح العربي، دراسة في البرديات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مئوية كلية العلوم جامعة القاهرة: المرأة والقيادة الأكاديمية

بقلم/ د. وليد الإمام مبارك                             تعيين أ.د. سهير رمضان فهمي أول عميدة لكلية العلوم جامعة القاهرة حدثٌ تاريخي يُدوَّن بحروف من نور. وتحتفل هذا العام كلية العلوم – جامعة القاهرة بمرور مئة عام على تأسيسها، وهي مئة عام من العطاء العلمي المتواصل، والريادة الأكاديمية، وتخريج أجيال من العلماء الذين أسهموا في بناء الوطن ورفع رايته في المحافل الدولية. وفي خضم هذه المناسبة التاريخية، جاء القرار المهم بتعيين الأستاذة الدكتورة سهير رمضان فهمي عميدةً للكلية، في سابقة تُسجَّل لأول مرة منذ تأسيس الكلية العريقة؛ لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب الرفيع، في لحظةٍ تحمل دلالات رمزية وتاريخية عميقة. كلية العلوم، منذ نشأتها عام 1925، كانت منبرًا للبحث والاكتشاف، واحتضنت عبر تاريخها أسماء بارزة في تاريخ العلم بمصر والعالم العربي، وقد حافظت على مكانتها المرموقة كصرح علمي وثقافي رائد. واليوم، مع دخولها المئوية، تتوج هذه المسيرة بتعيين قيادية أكاديمية بارزة تقود المرحلة القادمة بروح من التجديد والتمكين. والدكتورة سهي...

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

شهادة لا يجب أن تُؤجل

بقلم/ فاطمة صابر ردًا على منشور قديم نُشر عن د. أنس عطية، وما زال أثره حيًا، [انظر الرابط: https://alalamalyoumnews.blogspot.com/2024/02/blog-post_67.html ] أحب أقول: نعم، الكلمات التي كُتبت آنذاك عن د. أنس، أنا لم أقرأها فقط، بل عشتها. في سنة واحدة فقط، في مقرر واحد، شعرت كأنني أمام شخصية أب… رغم قلقي وخوفي في البداية، إلا أن تعامله العميق وأسلوبه الطيب احتواني، فشعرت بالأمان… الأمان الذي لا يُمثَّل، بل يُعاش. ولكن في زحمة الكلمات، هناك اسم آخر لا بد أن يُذكر، لا بد أن يُنصف، لا بد أن يُقدّر. اسم حين يُقال، ينحني له القلب قبل القلم… د. حنان شكري. قد أبدو لكم فتاة صامتة، لا تُكثر الكلام، وهذا صحيح… لكنني لست صامتة داخليًا. عقلي يعمل أكثر مما يظهر، ومشاعري تنبض من عمق لا يعرفه إلا القليل، ومن هذا العمق أكتب اليوم. د. حنان شكري ليست مجرد وكيلة لكلية، ولا حتى مجرد دكتورة… هي نموذج نادر من البشر، إنسانة تؤدي عملها كأنها تؤدي عبادة، وكأن التعليم أمانة كُتبت في رقبتها، لا تفرّط فيها مهما كانت التكاليف. رأيت فيها مثالًا لإنسان لا يسعى للمنصب، بل يسعى للصدق. لا تؤدي واجبها، بل تعيشه. لا تنتظر...