التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لم نعد نعجبك!

 


قصة: عبد الرحمن هاشم

دوّى ضحكها في المكتب، فالتفتت الرؤوس إليها، ثم عادت إلى أعمالها. أما أنا، فوجدت نفسي أرفع رأسي من بين الأوراق دون إرادة، أراقب ابتسامتها التي لا تكاد تفارق وجهها.

حدث ذلك بعد مرور ثلاثة أشهر من زمالتها لي في العمل.

كلما ضحكت زميلتي في المكتب، رأيت في خيالي زوجتي واقفة أمام البوتاجاز، تقلي البصل بيد، وتشغل الخلاط باليد الأخرى، ثم تسرع لتكمل نشر الغسيل قبل أن ترد على اتصال أحد معارفها الذي وسطته في أمر ترقيتي التي تعطلت منذ سنتين.

ودون أن أشعر، بدأت المقارنة.

اكتشفت زوجتي تغيري، فقالت وقد غلبها الأسى:

لم نعد نعجبك!

قلت لها بابتسامة لا معنى لها:

لا شيء.. إنني كما يقال من البيت للعمل ومن العمل للبيت.. دائرة مفرغة!

وفي اليوم التالي؛ أثناء ارتفاع ضحكتي لنكتة قالتها زميلتي رن هاتفي.

ـ أين أنت؟

ـ في العمل.. ماذا حدث؟

ـ الحق ابنتك!

ـ ماذا جرى؟

ـ خرجت من المدرسة منذ ساعتين ولم تعد.

ـ ربما ذهبت إلى إحدى زميلاتها.

ـ سألت الجميع... لا أحد رآها.

ـ هل اتصلتِ بها؟

ـ هاتفها مغلق!

تركت زميلتي تواصل تندرها وضحكها خلفي، بينما كنت أهبط الدرج جريًا، لا أسمع إلا صوت زوجتي وهي تستنجد بي.

وأثناء مروري على ورشة الألوميتال، خرج صاحبها يلوّح لي بلهفة:

ـ يا أستاذ... تعال، بسرعة!

اقتربت منه، فأشار إلى آخر الشارع وقال:

ـ رأيت ابنتك قبل قليل تركض، وخلفها شاب على دراجة بخارية، ثم غابا عن الأنظار.

لم أشعر بنفسي إلا وأنا أندفع إلى قسم الشرطة.

تلعثمت وأنا أروي ما حدث، ثم التقطت هاتفي واتصلت بمحامٍ أعرفه، يمليني صيغة المحضر كلمةً كلمة..

وفي منتصف الليل جاءني اتصال من قسم الشرطة:

ـ تعال استلم ابنتك!

كانت تجلس على مقعد خشبي في ركن من أركان القسم، دامعة العين، منكسة الرأس، مشبكة ذراعيها كأنها تحتمي بهما من بردٍ خفي.

ما إن رأتني حتى نهضت مسرعة.

خطوت نحوها فاتحًا ذراعي.

وضممتها إلى صدري برفق.

ضمتني بقوة.

شعرت بدقات قلبها تختلط بدقات قلبي، حتى عجزت أن أميز أيهما كان أشد اضطرابًا.

وفي تلك اللحظة دوّى في رأسي صوت زوجتي:

»لم نعد نعجبك! «

فلزمني الصمت، ولزمني الذهول.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...