بقلم المستشارة/ شيماء سحاب
المحامية بالنقض والدستورية العليا
في مأثوراتنا الشعبية مَثَلٌ بسيط المبنى، لكنه عميق المعنى، يقول: "قَعْدَة الخزانة، ولا جَوَازة الندامة". وهو تعبير بليغ يختزل الكثير من التوجيهات الاجتماعية والنفسية التي نحتاجها بشدة في واقعنا المعاصر.
من الحقوق الفطرية لكل فتاة أن تحلم بفارس يشاركها درب الحياة، يظلها بعش زوجي يفيض بالمودة والرحمة، وأن تتخيل نفسها أُمّاً لذرية صالحة. كل هذه أحلام مشروعة، جميلة، ووردية، تحلق بها الفتاة في سماء الأمنيات. لكنني اليوم، ومن واقع خبرتي الطويلة وموقعي في محراب القانون، أدعوكِ يا فتاتي العزيزة لنهبط سوياً إلى أرض الواقع؛ فالأحلام لا تدوم إلا إذا أُسِّست على قواعد متينة من حسن الاختيار، من أجلكِ أنتِ أولاً، ومن أجل أسرتكِ المستقبلية ثانياً.
أنتِ الآن بمفردكِ، تملكين من القوة والمرونة ما يُؤهلكِ لتجاوز العقبات والتغلب على مصاعب الحياة بشكل أو بآخر. ولكن، ماذا لو تسرّعتِ في القرار، وتزوجتِ من شخص تبدّل قناعه بعد الزواج ليصبح رجلاً آخر تماماً غير ذاك الذي حلمتِ به؟ وماذا لو أسفر هذا الزواج عن وجود أطفال لا ذنب لهم في هذا الاختيار غير الموفق؟ كيف ستواجهين قسوة الحياة وعقباتها حينها، وأنتِ لستِ وحدكِ، بل تثقلكِ نظرات أطفالٍ يعتمدون عليكِ كلياً؟
في هذه المعادلة الصعبة، يتجلى التساؤل الحاسم: أيهما أفضل لكِ؟ أن تواجهي تحديات الحياة بمفردكِ وبحريتكِ، أم تواجهيها ومِعول الهدم يحيط بكِ وبأطفالٍ لا حول لهم ولا قوة؟
لذلك، فإن المنطق والعقل يفرضان على كل فتاة أن تتريث وتفكر مراراً وتكراراً قبل الإقدام على خطوة الزواج. ضعي أمام عينيكِ دائماً مستقبل أطفالكِ قبل وجودهم؛ فهم يستحقون أن ينشأوا في بيئة هادئة ومستقرة، وأن يكون لهم "أب" يحمل معاني الأبوة الحقيقية من تضحية ورعاية واحتواء. تريثي حتى لا تسمعي يوماً عتاباً مريراً من ابنكِ أو ابنتكِ يقول: "لماذا فعلتِ بنا هذا؟ ولماذا اخترت لنا أباً لا يحمينا ولا يحتوينا؟".
إن نصيحتي الصادقة لكِ من وراء منصة الوعي والقانون: إذا لم تجدي الزوج المناسب الذي يصلح أن يكون أباً قديراً لأطفالكِ، فلا تتزوجي لمجرد الزواج. لا تجني على أطفالٍ أبرياء، ولا تكوني بعجتلكِ سبباً في تعاستهم.
تأكدي تماماً، أيها الفتاة الغالية، أن الله هو الذي "يخلق ما يشاء ويختار"، ومشيئته لا تسوق للعبد إلا الخير والرحمة. ثقي بأن الله سبحانه سيدخر لكِ خيراً كبيراً، فلا تستعجلي النصيب؛ فربكِ لا يظلم أحداً أبداً. إن تأخركِ في الزواج بحثاً عن الشريك المناسب والصالح، هو صونٌ لكرامتكِ وحماية لمستقبلكِ، وعندما يأتي العوض الإلهي، سيكون مذهلاً ينسيكِ كل أيام الانتظار.. ودائماً تذكري: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق