بقلم: د. عمار علي حسن
يُعَدُّ الزهد واحداً من الأعمدة الروحية للتدين السليم، إذ من غير الممكن أن يوجد التسامي إلا في رحاب الزهد؛ لأنه بمنزلة المعرفة والسلوك الضروري الذي لا بد منه لمنع الإنسان من "التشيؤ" أو التحول إلى سلعة رخيصة، ولأنه يعني في مجمله: عدم إرادة الشيء، وعدم قصده، والانشغال به، أو طلبه.
وقد أورد القشيري في رسالته الشهيرة بعض التعريفات للزهد التي تفيد بإيثار الانسحاب من الدنيا وأمورها، مثل قوله: «الزهد هو سُلُوُّ القلب عن الأسباب، ونفض الأيدي عن الأملاك»، وهو «عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف»، ويبلغ التقشف ذروته حينما يقول: «لو كان الجوع يُباع في السوق، لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره».
وقد انتشر الزهد في حياة المسلمين الأوائل بسبب السياسة؛ فالخلافات التي نشبت بين الفرق الإسلامية والولاة من جهة، والتفاوت الاجتماعي الذي حدث بعد انقضاء الخلافة الراشدة وازدادت حدته في العصر العباسي من جهة ثانية، دفعا بعض المسلمين إلى الميل للاعتزال، والعزلة، والزهد في الدنيا وملذاتها.
والزهد يخلق قيماً سياسية متعارضة؛ بعضها سلبي وبعضها الآخر إيجابي؛ فالزهد في الدنيا يتضمن الزهد في السياسة باعتبارها ممارسة دنيوية، وذلك مثل الموقف الذي اتخذه الشيخ عبد الوهاب الشعراني – وهو واحد من الرموز الدينية المصرية في زمن المماليك – من العمل السياسي إذ قال: «مِمَّا أنعم الله به عليَّ حمايتي من أن أكون قاضياً، أو حاكماً، أو شاهداً؛ لخفاء أغلب القضايا على الناس من الحكام»، وذلك لأنه كان يعتبر أن باب القضاء والحكم بين الناس بالشريعة – فضلاً عن السياسة – من أخطر الأمور.
ويبرر الشعراني في موقف آخر تجنبه للحكام قائلاً: «مِمَّا أنعم الله تعالى به عليَّ عدم وقوفي على حاكم إذا نازعني في بيتي، أو في النظر على زاويتي، أو في رزقي، بل أترك ذلك له؛ لأن الدنيا أهون عندي من أن أقف لأجلها على حاكم، وأستحي بحمد الله تعالى أن أُكذِّب مسلماً فيما يدعيه عليَّ منها، فأنا تساوت عندي الأماكن.. فمن نازعك في دينك فنازعه، ومن نازعك في دنياك فألقها في نحره».
وفي هذا الشأن قال السري السقطي – وهو من كبار المتصوفة الأوائل –: «إن الله تعالى سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده؛ لأنه لم يرضَها لهم». وعلى هذا الأساس يكون الفقر هو طريق الزاهدين، فهو أمر ضروري إذا أراد السالك السير في الطريق والوصول إلى منتهاه؛ لأن المرء إذا شغل نفسه بزوج، أو مسكن، أو ملبس، أو مال يكدسه... إلخ، سيطرت هذه الأشياء المادية على ذهنه، وحجبت نفسه عن الخير الحقيقي الثابت وهو الانشغال بالآخرة.
إلا أن بعض العارفين يرون أن الزهد لا يعني التجرد من الدنيا دائماً، وإنما يعني ألا تستعبد الدنيا الإنسان؛ فلقد كان الكثير من رموز الدين أغنياء يملكون الثروات ويتصرفون فيها كوكلاء لله عليها، وكثيراً ما يدعون الله بأن يغنيهم، ولا يكتفون بذلك، بل يدعون أن يجعلهم ربهم سبباً لغنى أوليائه.
على النقيض من ذلك، فإن الزهد قد يخلّف قيماً سياسية إيجابية في اتجاه الانخراط، والمشاركة، ومقاومة التسلط والفساد؛ فالزهد في الماديات – من ثروة أو منصب – يعني عدم الخضوع للسلطة التي تقوم بتوزيع الموارد والمناصب، وتملك أدوات تضييق أرزاق معارضيها، خاصة في العالم الثالث. فالزاهد على هذا الأساس أكثر قدرة من غيره على المقاومة والتمرد ضد الطغيان؛ لأنه مستغنٍ عن الشيء الذي يهيمن به السلطان على الناس، وفي هذا الشأن يقول الشيخ الشعراني: «لقد رزقني الله تعالى القناعة، فلو أني وجدت كسرة يابسة قنعت بها، ومن كان كذلك لا يحتاج إلى مال السلطان».
لكن الباحث الفرنسي "فرانسوا بورجا" له رأي آخر في هذه المسألة، إذ يرى أن الزهد يحرم كل عمل من التأثير والإيجابية؛ نظراً لأن غرس الزهد القائم على اعتبار أن الدنيا بلاء مصبوب – كأساس للتربية الحركية – يجعل المسلم الملتزم في جماعة يشعر بالضيق من الحياة، فالرهبة من المعاصي تسيطر عليه، والحرام يطارده في كل مكان، ولا يكاد يطمئن إلى عمل سوى الصلاة والذِّكر والاعتكاف وما شابه ذلك من شعائر، وما عدا ذلك فهو بلاء أو طريق إلى بلاء، وهذا المنطق التربوي لا يدفع في نهايته إلى إبداع أو تفوق.
ومهما كان حجم التناقض في الرؤى حول علاقة الزهد بالسياسة، فإن الزهد يقي من شرور كثيرة، في مطلعها الانحطاط الروحي والتردي الأخلاقي. ومن الضروري للإنسان أن يعيش عزيز النفس، لا يُقاد من بطنه أو فرجه إلى العبودية الرخيصة.

تعليقات
إرسال تعليق