التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حديث القرآن عن خلق أمنا حواء



بقلم: عبد الرحمن هاشم

الظاهر القرآني الكلي يستحضر قانوناً قرآنياً عاماً هو سنة "الزوجية في الخلق" المتمثل في قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَیۡءٍ خَلَقۡنَا زَوْجَیْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: 49]. من خلال هذه القاعدة المطردة في الكون (الإنسان، الحيوان، النبات، وحتى الذرة والشحنات الكهربائية)، يستقيم فقه خلق حواء ليخضع لنفس السنة الكونية الجارية.

يقول الأستاذ سيد قطب في تفسير آيات الخلق في سورة الأعراف: "الذي يمكن الجزم به هو أن الله خلق لآدم زوجًا من جنسه فصارا زوجين اثنين، وفق سنة (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) إذن هي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة.. وإذا سرنا مع هذه السنة فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء لم يمكث طويلا بعد خلق آدم، وأنه تم على نفس الطريق التي تم بها خلق آدم.. أما الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلعه فهي مشوبة بالإسرائيليات ولا نملك أن نعتمد عليها".

إذن فالأستاذ سيد قطب يرجح عقلياً أن يكون خلق أمنا حواء قد تم بنفس الطريقة المستقلة التي خُلق بها آدم (من طين/تراب/صلصال)، وفي وقت متقارب، لتتحقق الحكمة من الاستخلاف والتعمير.

ويتجلى هنا ملمح أصيل في منهج سيد قطب التفسيري، وهو تصفية التفسير من الدخيل. الروايات التفصيلية الكثيرة التي حشت كتب التفسير بالمأثور حول كيفية خروج حواء من الضلع الأيسر لآدم أثناء نومه، يراها قطب روايات "مشوبة بالإسرائيليات" (أي منقولة عن أهل الكتاب ومندسة في التراث الإسلامي). ولأن القرآن لم ينص صراحة على "الضلع"، بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]، فهو يفسر "منها" هنا بأنها "من جنسها وطبيعتها البشرية"، وليس اقتطاعاً مادياً من جسد آدم.

تفاسير المتقدمين (ابن عطية، الزمخشري، النسفي، والآلوسي)، اتفقوا على أن الخلق مادي حسي من ضلع آدم حقيقة، انسجاماً مع ظاهر الحديث وآثار السلف.

وكذلك يرى الإمام أبو زهرة في تفسيره زهرة التفاسير، ويرى الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أن قدرة الله صالحة لخلق حواء من ضلع آدم حقيقة، وأن هذا لا يعيب المرأة، لكن البوطي يفرّق بين "الحقيقة البيولوجية" للخلق، وبين "الاستعمال الاجتماعي" للحديث؛ فالحديث لم يأتِ لتقريع المرأة، بل جاء أمرًا للرجل بالاستيعاب والمداراة، فالخلل في فهم الرجال لا في أصل خلقة النساء.

أما الإشكال فيما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خُلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه...» [1]، فقد وَجَّهَهُ علماء المجاز والبيان توجيها لطيفا هو أن لفظ "خُلقن من ضلع" تشبيه واقعي لطبائع النساء النفسية والعاطفية بالضلع المنحني الذي يحمي القلب، وهو انحناء وظيفي جمالي وليس عيباً (أي أن عاطفتهن تغلب على التفكير المادي الجاف).

وسمعت الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره المسجلة إن حواء خُلقت فعلاً من ضلع آدم، ويعلل ذلك بعلة تربوية لطيفة: لو خُلقت حواء من طين مستقل أمام آدم، لرأى فيها نداً غريباً، لكن الله شاء أن تُخلق منه ليجد فيها قطعة من ذاته، فيحن عليها حنين الإنسان لجسده.

ويضيف الشعراوي لفتة مشهورة: "الضلع أُخذ من مكان يحمي القلب؛ فالمرأة مكانها تحت الجناح والكنف لتُحاط بالحب والرعاية، وانحناؤها هو سر صلاحها لحضن التربية".

لذلك يمكن القول إن قفز سيد قطب فوق الأحاديث الصحيحة ووصف الفكرة بـ "الإسرائيليات" يُعد مأخذاً منهجياً عليه، حيث كان الأولى به توجيه الحديث وتأويله بما يتسق مع رؤيته، بدلاً من رد ظاهره الثابت في الصحيح.

وبعيداً عن الجدل الفقهي، يحمل كلام سيد قطب بعداً فلسفياً تكريمياً للمرأة حين يصر على أن حواء خُلقت "على نفس الطريق التي تم بها خلق آدم" ككيان مستقل ومن نفس الطين وبذات النفخة الإلهية، فهو يرسخ لمبدأ "الأصالة المشتركة". وهو يرفض ضمناً النظرة الفلسفية القديمة (التي تسربت من بعض الثقافات) التي ترى المرأة مجرد "فرع" أو "عضو ثانوي" خُلق تطفلاً من أجل الرجل. عند قطب، حواء شريكة كاملة في الإنسانية وفي مشروع الاستخلاف الأرضي منذ اللحظة الأولى.

وفي ترجيحي أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما النساء شقائق الرجال» [2]، هو الميزان الأدق لمفهوم المساواة الإنسانية في الإسلام. وكلمة "شقائق" في لغة العرب مشتقة من "الشق"، وهو نصف الشيء إذا انقسم، فالمرأة هي النصف المقابل والمتمم للرجل في أصل الخلقة، وفي الكرامة، وفي الأهلية.

إن أبعاد هذا المفهوم (التكامل، والتكليف، والقوامة) مصطلحات تحتاج لشيء من التفصيل:

1. المساواة التكليفية والجزائية أمام الخطاب الإلهي والتكليف:

يقف الرجل والمرأة على خط استواء واحد بلا أدنى تفرقة. فالقرآن الكريم حسم هذا الأمر في مواضع شتى، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195]، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. هذه النصوص تؤكد "الأصالة المشتركة" في الاستخلاف؛ فالجنة والنار، والثواب والعقاب، والمسؤولية الأخلاقية، كلها أدوات تشارك فيها حواء آدم جنباً إلى جنب.

2. فلسفة القوامة وظيفة إدارية لا رتبة وجودية:

القوامة ليست صكاً بأفضلية جنس على جنس، ولا هي أدوات قهر أو إهانة، بل هي "توزيع وظائف" تقتضيها طبيعة الحياة الزوجية التي هي بمثابة "مؤسسة مصغرة".

  • المؤسسة تحتاج لمدير: أي نظام اجتماعي لا بد له من قيادة تدير شؤونه وتتحمل تبعاته المادية والأمنية، وقد أهّل الله الرجل بخصائص نفسية وجسدية، وألزمه بالإنفاق الكامل (المهر، السكن، النفقة)، فكانت القوامة "تكليفاً ومسؤولية" يُحاسب عليها أمام الله، وليست "تشريفاً أو سلطة" بلا حساب.

  • توفير الحماية للمهمة الأسمى: هذه القوامة شُرعت خصيصاً لتكون سياجاً يحمي المرأة ويفرغها لوظيفتها الكبرى التي لا يستطيع الرجل القيام بها: (صناعة الإنسان، وبناء السكن العاطفي، ورعاية الجيل الجديد).

3. التكامل لا التنافس:

الغرب اليوم يسقط في فخ "الندّية والتنافسية" بين الجنسين، مما أدى إلى تفكك الأسرة وجعل العلاقة أشبه بصراع القوى. أما الرؤية الإسلامية التي يعضدها حديث (الشقائق) وطرحها سيد قطب ومن قبله الشيخ محمد عبده وتلاميذ مدرسته [3]، فهي رؤية "تكاملية"؛ الرجل والمرأة ليسا ضدين يتصارعان، بل هما "شريانان في قلب واحد" أو "جناحان لطائر الاستخلاف".

حين تدرك المرأة أن قوتها في أن تكون "سكناً" (وهي مرتبة وجودية بالغة الرقة والعمق)، ويقر الرجل بأن قوامته إنما هي "خدمة وحماية ورعاية"، تستقيم حركة الحياة على الأرض وفق مراد الله.

الهوامش التوثيقية:

[1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته، رقم الحديث (3331)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم الحديث (1468).

[2] أخرجه الإمام أحمد في مسنده (6/256)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلة في منامه، رقم الحديث (236)، والترمذي في سننه رقم الحديث (113)، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

[3] انظر: محمد رشيد رضا، تفسير المنار، حيث توسع في نقل آراء الشيخ محمد عبده حول رفض الروايات الإسرائيلية في خروج حواء من الضلع المادي لآدم، والتركيز على وحدة الجنس البشري.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. القرآن الكريم.

  2. البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. ط1، القاهرة: دار طوق النجاة، 1422هـ.

  3. الترمذي، محمد بن عيسى. سنن الترمذي. تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

  4. السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث. سنن أبي داود. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: المكتبة العصرية.

  5. الشيباني، أحمد بن حنبل. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421هـ.

  6. عقيل، عبد الله (تحرير وتوجيه بلاغي). توجيه أحاديث الصفات والطبائع. الطبعة الأولى، دار المعارف.

  7. قطب، سيد. في ظلال القرآن. ط38، القاهرة: دار الشروق، 1430هـ / 2009م.

  8. محمد عبده، ومحمد رشيد رضا. تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار). القاهرة: دار المنار، 1367هـ.

  9. مسلم بن الحجاج النيسابوري. صحيح مسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...