التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ


 

بقلم: عبد الرحمن هاشم

في عالمٍ يموج بالماديات، وتتحكم في تفاصيله لغة الأرقام والحسابات المعقدة، يحتمي الإنسان المسلم بصلاته ومحرابه، فيخلع رداء الدنيا، ويستحضر جوامع الكلم النبوي الشريف مع كل صلاة تاليًا هذا الدعاء الخالد: «اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» [1]. معلنًا الافتقار البشري أمام الغنى الإلهي المطلق.

وللولوج إلى عمق هذا النص، ينبغي فهمه بالوقوف أولاً عند البنية اللغوية للفظة (الجَدّ) بفتح الجيم وتشديد الدال. فالجَدُّ في لغة العرب هو: الحظُّ، والغنى، والسلطان، والوجاهة [2]. أما الكاف في قوله (منك) فهي تأتي هنا بمعنى (عندك) أو (بدلاً منك). ليصبح المعنى الكلي: أن صاحب الحظ والنفوذ والمال في هذه الدنيا، لن ينفعه حظه ولا غناه بين يديك يا الله، ولا يملك هذا الجَدُّ الدنيوي أن يشتري له نجاةً من قضائك، أو دفعاً لبلائك، أو كسباً لرحمتك.

ويتجلى في هذا الدعاء ملمح فلسفي وتربوي غاية في الأهمية، يمكن تصنيفه عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. علاج "القارونية النفسية" وإسقاط الكبر

إن الإنسان إذا ترادفت عليه النعم، وتيسرت في يده الأسباب، يقع غالباً في فخ الطغيان والاستغناء، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. هذا الاستغناء يُولد داخل النفس "قارونية" فجة تتلخص في مقولة قارون التاريخية: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. هنا يأتي الترياق النبوي اليومي ليردده العبد كل صلاة: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»؛ وليُسقط كل رتبه الدنيوية مع تكبيرة الإحرام. فالملياردير بماله، والوزير بجاهه، والعبقري بذكائه، والعالم بعلمه، كلهم يقفون على خط واحد من الفقر والاضطرار، معلنين أن الأسباب الأرضية تنفع في عالم الشهادة والناس، لكنها تفقد قيمتها الذاتية تماماً في عالم الغيب ومع رب الناس.

2. فك الارتباط بين الأسباب والنتائج

يقع العقل المعاصر اليوم في أسر المادية الصرفة، وظنُّه أن امتلاك "التقنية والوفرة المادية" هو الضامن الأوحد لسلامته وسعادته. لكن هذا النص النبوي يرسخ لمبدأ عقدي أصيل: "أن الأسباب تُتخذ تعبداً، لكنها لا تملك النفع ذاتياً". فالمال سبب للرفاهية ولكنه لا يشتري الطمأنينة، والطب سبب للشفاء ولكنه لا يملك وهب الحياة، والذكاء سبب للنجاح ولكنه لا يمنع عثرات المقادير. فالجد الدنيوي مستهلك ومحدود، والنافع والمنجي الوحيد عند الله هو العمل الصالح الممتزج برحمته وفيضه، لا بالرصيد المصرفي أو الوجاهة الاجتماعية.

3. التحرر النفسي والأصالة التعبدية

حين يستقر هذا المفهوم في قلب المؤمن، فإنه يمنحه قوة هائلة من التحرر النفسي؛ فلا ينبهر بصاحب "جَدٍّ" (حظ) في الدنيا لدرجة التقديس أو الذل، لأنه يعلم أن هذا الحظ لا يغني عن صاحبه من الله شيئاً. وفي المقابل، لا يصيبه اليأس أو الإحباط إن فاته حظه من الدنيا؛ لأنه يدرك أن الميزان الحقيقي عند الله ليس بـ "الجدود/الحظوظ" المادية، وإنما بـ "القلوب" المخبتة، كما جاء في الحديث الصحيح: «إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأمْوالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ» [3].

الهوامش:

[1] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، رقم الحديث (844)، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، رقم الحديث (593)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

[2] انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (ج د د).

[3] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، رقم الحديث (2564)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

المصادر والمراجع:

  1. القرآن الكريم.

  2. ابن منظور، محمد بن مكرم. لسان العرب. بيروت: دار صادر.

  3. البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. ط1، القاهرة: دار طوق النجاة، 1422هـ.

  4. مسلم بن الحجاج النيسابوري. صحيح مسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

  5. النووي، يحيى بن شرف. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. ط2، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392هـ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي ينعى الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى

  ينعى فضيلة أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الحاج محمد عثمان محمد واقد وشهرته الحاج بشرى، كبير المعلمين بمديرية التربية والتعليم بمحافظة الشرقية، والد كل من الكابتن ضياء محمد عثمان والأستاذ أحمد محمد عثمان، والأستاذ علاء محمد عثمان، والأستاذة عزة محمد عثمان، ونسيب عائلة الفقي بكفر الأشراف مدينة الزقازيق محافظة الشرقية، وقد فارق الفقيد الحياة يوم أمس (11 يناير 2026م) إلى جوار رب كريم بعد حياة مليئة بالطاعة والخلق الحسن. ويتقدم أ.د. أنس عطية الفقي نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد الكريم، وتلامذته ومحبيه، سائلًا المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

رفعت حسن هلال.. العالم الذي جمع بين الكيمياء والوعي بالتراث العلمي

بقلم د. وليد الإمام مبارك برحيل الأستاذ الدكتور رفعت حسن هلال، تطوي الساحة العلمية المصرية صفحةً مضيئة من صفحات العطاء الأكاديمي الرصين، وتفقد واحدًا من العلماء الذين جمعوا بين التخصص الدقيق في علم الكيمياء، والوعي العميق بتاريخ العلوم ومساراتها الحضارية. لم يكن الدكتور رفعت حسن هلال مجرد أستاذٍ للكيمياء، بل كان نموذجًا للعالِم الموسوعي الذي يدرك أن العلم لا يُفهم بمعزل عن جذوره، ولا يُدرَّس بعيدًا عن سياقه الحضاري. وقد انعكس هذا الوعي في اهتمامه بالتراث العلمي، وفي طريقته المميزة في تناول المعرفة، حيث حرص دائمًا على الربط بين المنجز العلمي الحديث وإسهامات الحضارات السابقة، وعلى رأسها الحضارة العربية والإسلامية. عرفه طلابه أستاذًا هادئًا، عميق الفكر، شديد الاحترام للعلم وطلابه، لا يفرض حضوره بالصوت العالي، بل بقوة الفكرة ودقة المنهج. كان لمن تتلمذوا على يديه في مجال التراث العلمي نصيبٌ وافر من هذا العطاء؛ إذ فتح أمامهم آفاقًا أوسع لفهم العلم بوصفه نتاجًا لتراكمٍ إنساني ممتد، لا مجرد معادلات أو تجارب معملية. وعلى المستوى الأكاديمي، أسهم الفقيد في إثراء البحث العلمي من خلال كتاباته ومشار...

تطبيق ذكي لتصحيح التلاوة والتجويد يلفت الأنظار في مؤتمر طلابي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

شهدت فعاليات المؤتمر الطلابي الرابع بكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، عرض مشروع طلابي مبتكر لتطوير تطبيق ذكي على الهواتف المحمولة يهدف إلى تصحيح التلاوة وأحكام التجويد، في خطوة تُعد من المحاولات الرائدة لسد فجوة تقنية في هذا المجال، حيث لا تتوافر حتى الآن تطبيقات تقدم تصحيحًا دقيقًا لأحكام التجويد بصورة آلية. جاء المشروع تحت رعاية الأستاذ الدكتور أنس عطية الفقي نائب رئيس الجامعة لشؤون التعليم والطلاب، والأستاذة الدكتورة إيمان كرم عميدة كلية تكنولوجيا المعلومات، وبإشراف أكاديمي مشترك ضم إسلام سعيد المدرس المساعد بالكلية، ومريم رجب المعيدة، إلى جانب إشراف علمي متخصص من فضيلة الشيخ أحمد محمد رشاد من مركز تحقيق التراث العربي. ويهدف المشروع إلى بناء نظام هجين متطور لتعليم وتوثيق أحكام التجويد وفق رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية، مع التركيز على تصحيح مستوى المبتدئين، من خلال دمج تقنيات التعلم العميق مع الأنطولوجيا اللغوية للتعرف على الخصائص الصوتية الدقيقة لكل حكم تجويدي. ويعتمد النظام على معالجة الإشارات الصوتية وتحليل الصفات الصوتية ...