قصة قصيرة بقلم/ عبد الرحمن هاشم
في تلك الليلة الصافية، كانت شاشة الهاتف تضيء وجهها الشاحب والمليء بالدموع. لم تجد ملجأً تبث فيه روعها سوى كلمات خطتها بقلبٍ يرتجف على صفحتها الشخصية، فكتبت:
"اللهم اشفِ أمي، وحُلَّ في جسدها العافية، وأرحها من الألم والتعب".
لم تمضِ دقائق حتى رأى منشورها ذلك الصديق الراقي، الذي يحمل في قلبه فيضاً من اليقين والرحمة. لم يكتفِ بالمرور عابراً، بل ترك تعليقاً يقطر صدقاً، أَمَّنَ فيه على دعائها، وابتهل إلى الله بكلمات هزت أركان الروح أن يستجيب ويمنّ على الأم بالشفاء.
وبعد يومين، رنّ هاتفه. كانت نبرة صوتها على الطرف الآخر متهدجة، تمتزج فيها خيبة الأطباء ببارق من أمل غامض. قالت له بنبرة رجاء حارة:
— "أرجوك.. هل يمكنك أن تأتي لعيادة أمي مجدداً؟ إنها تعبر لي كثيراً منذ زرتها الأخيرة بأنها تستريح لرؤيتك، وتشعر بسكينة غريبة تنزل على صدرها حين تتحدث إليها".
لم يتردد لحظة. لملم يقينه ومصحفه وانطلق نحو بيتهم.
حين دخل الغرفة، كانت الأم المستلقية على سرير المرض المزمن تبدو أصغر حجماً مما هي عليه، وقد خطّ الوجع في ملامحها تفاصيل قاسية. ولكن، ما إن وقعت عيناها عليه، حتى انفرجت أساريرها الواهنة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة خفيفة، وكأنما رأت طوق نجاة وسط أمواج ألمها المتلاطمة.
جلس بجانب السرير برفق، ووضع يده الحانية على جبينها المبتل بعرق الحمى. أغمض عينيه واستجمع كل جوارحه، ثم بدأ يرتل آيات الرقية الشرعية بصوت عذب خفيض، ينساب في أرجاء الغرفة الساكنة كالنسمة الباردة في هجير الصيف. كانت الابنة تقف عند زاوية الغرفة، تراقب المشهد بيدين مضمومتين إلى صدرها ودموع صامتة تجري على خديها.
أنهى الراقي تلاوة السور والآيات، ثم مسح بيده اليمنى على موضع ألم الأم، ومزج صوته بنبرة تفيض بالرجاء واليقين العاطفي وهو يردد:
— «أَذْهِبِ البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا».
كررها ثلاثاً، وفي كل مرة كانت نبرته تزداد عمقاً وإلحاحاً، حتى بدا وكأن الكلمات تتحول إلى بلسم غير مرئي يتغلغل في جسد السيدة المريضة.
فتحت الأم عينيها ببطء، وتنفست بعمق شديد كمن يستنشق وعداً بالحياة، ثم نظرت إليه وبصوت واهن متقطع سألته:
— "يا بني.. دائماً ما يتردد في مسامعي هذا الدعاء الذي تقوله في رقيتك: (شفاءً لا يغادر سقماً).. ما الذي تعنيه هذه العبارة بالضبط؟ إنها تلمس قلبي وتجعلني أشعر براحة عجيبة".
ابتسم الراقي ابتسامة مشرقة تفيض حناناً، وقال وهو يشد برفق على يدها الشاحبة:
— "يا أمي الغالية، هذا ليس مجرد دعاء، بل هي روعة وعمق الرحمة النبوية التي علمنا إياها رسول الله ﷺ. في لغتنا العربية، (لا يغادر) تعني: لا يترك خلفه ولا يُبقي وراءه شيئاً، و(السقم) هو هذا المرض والوجع الذي أضناك".
نظر إلى الابنة الواقفة في الممر، ثم أعاد نظره إلى الأم وتابع بعاطفة صادقة:
— "حين أقول (شفاءً لا يغادر سقماً)، أنا لا أطلب من الله أن يسكّن ألمكِ لساعات ثم يعود، ولا أطلب شفاءً جزئياً؛ بل ابتهل إلى الشافي أن يستأصل هذا المرض المزمن من جذوره، شفاءً تاماً كاملاً شاملاً، فلا يترك وراءه في جسدكِ أي أثر للعلة، ولا يخلف بعده أي مضاعفات أو ضعف أو وهن، بل يعود جسدكِ صحيحاً معافى في خلاياه كلها كما كان قبل المرض، فلا تشتكي بعده وجعاً أبداً".
انهمرت الدموع من عيني الأم، لكنها كانت دموع ارتياح ورضا، وشعرت بقشعريرة تسري في أطرافها كأنما تبشر بجفاف منابع الألم. أما الابنة، فقد غطت وجهها بيديها وهي تبكي فرحاً بالسكينة التي حلت على والدتها.
قام الراقي ودثر الأم بغطائها برفق، وقال وهي تستسلم لنوم عميق وهادئ لم تذقه منذ أسابيع:
— "استريحي الآن يا أمي، واستودعي جسدك للشافي، فعافيته قادمة.. شفاءً كاملاً لا يترك وراءه أي وجع".
تعليقات
إرسال تعليق